|
| » فرسان القصة « | ||||||
|
| آخر 10 مشاركات |
| روابط تهمك | القرآن الكريم | الصوتيات | الألعاب | اليوتيوب | الزخرفة | إعلانات | قروب | الطقس | مــركز التحميل | لا باب يحجبنا عنك | تنسيق البيانات |
| قناديـلُ الحكايــــا يعدو الربيــع بعد الربيــع ويكبر البوح.. ( يمنع المنقول ) |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
#11 | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
![]() ![]() ![]() ![]()
|
ليس في مظهره ما يوحي بأنه كاتب. لا يحمل كتاباً مفتوحاً، ولا يضع نظارات مربّعة، ولا يدسّ أنفه في الصحف الرخيصة التي توزّعها المدينة كل صباح لتدجين تفكيرها. يجلس في المنتصف دومًا، في الموضع الذي لا يدّعي الحياد، بل يتقصّده. فلا هو في المقدّمة، حيث يجلس أولئك الذين ينظرون للحياة كمخطط مُسيطر عليه، ولا في المؤخرة، حيث يستسلم الناس للتجربة كما هي، دون تأويل. هو لا يكتب، لأنه يرى أن الكتابة لحظة لاحقة للحياة، وأن الفهم هو الفعل الأوليّ، الأكثر جرأة. ينصت دون أن يتدخّل، لأن الملاحظة الصامتة تمنح الوضوح الذي لا تتيحه المشاركة. ليس حياديًا، ولا مشبعًا بنزعة المراقب العلميّ البارد، بل مؤمن بأن كل لحظة بشرية، مهما بدت تافهة، هي معلّقة بين الحرية والضياع. يراقب كيف يختار الناس مقاعدهم. ذلك الرجل الذي يصرّ على الجلوس قرب النافذة، يضع حقيبته إلى جواره، كأنه يطالب بحقٍّ في العزلة لا تمنحه إياه المدينة. امرأة تصعد وتفترس المكان بنظرها، ثم تختار الوقوف رغم وجود المقاعد؛ تمرينٌ قديم على الاحتمال، ربّما، أو رفضٌ ضمنيّ لراحةٍ لا تشبهها. طفل لا ينظر في وجه أحد، يخبئ أصابعه تحت فخذه، كمن يعلم أن جسده ليس آمناً في هذه المدينة. كل تفصيلة، مهما بدت عادية، هي موقفٌ أخلاقيّ: من الذات، من الآخر، من العالم. هو لا يكتب عن الناس، بل يكتب الناس. فهمُ البشر لا يتم من خلال ما يقولونه، بل من خلال ما يسكتون عنه. الحياد الظاهريّ، الإيماءة الصغيرة التي تراوغ الغضب، اليد التي ترتجف قبل أن تلمس زر الجرس… كل ذلك هو ما يصنع الوجود الحقيقيّ، لا السير الذاتية الطويلة ولا الصور المعدّلة. يؤمن أن الشرّ لا يولد من الكراهية فقط، بل من التفاهة، من الاعتياد على القسوة، من التكرار المملّ لعدم الاكتراث. وهذا ما يجده في وجوهٍ كثيرة: أناس لم يعودوا يرون الغريب إنسانًا، لم يعودوا يتفاجأون بأن أحدهم يبكي، أناس ينزلون من الحافلة دون أن يلاحظوا أن المقعد المجاور كان يحتضر بشخصٍ صامت. في ذهنه، يقارن المدينة بجهاز تنفّس اصطناعي، يبقي الناس على قيد حركة لا على قيد حياة. كل صباح، يركب الحافلة ليقيس نسبة الأوكسجين البشريّ، من بقي حياً بأخلاقه؟ من اختنق بالتبرير؟ من ارتدى وجهه كمجرّد وسيلة للعبور؟ ومن لا يزال يرى في كل آخر مرآةً لذاته، لا تهديداً لها؟ لا أحد يعلم أنه يكتب، لكنّ الحافلة تعرف. تعرف أنه لا يركبها كي يصل، بل كي يراقب الصعود والسقوط داخل النفوس، أنّ جلوسه في المنتصف هو احتجاجٌ ضد القطبية، وأن كل محطة بالنسبة له، ليست تغيّراً في المكان، بل تجربة جديدة في مواجهة الجوهر البشريّ. وعندما ينزل، ينزل كما يصعد: دون أثر. لا يلوّح، لا يودّع، لا يترك خلفه أكثر من هواءٍ خفيفٍ مثقلٍ بأسئلة لا تنتهي. الناس يظنون أنه مجرّد راكب هادئ، لكنّه، في الحقيقة، شاهدٌ يسجّل انهيار الإنسان من الداخل، يوماً بعد يوم، دون أن يكسر صمته… ودون أن يكفّ عن الإصغاء.
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة جوري ; 05-28-2025 الساعة 05:57 PM
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||