|
| » فرسان القصة « | ||||||
|
| آخر 10 مشاركات |
| روابط تهمك | القرآن الكريم | الصوتيات | الألعاب | اليوتيوب | الزخرفة | إعلانات | قروب | الطقس | مــركز التحميل | لا باب يحجبنا عنك | تنسيق البيانات |
| قناديـلُ الحكايــــا يعدو الربيــع بعد الربيــع ويكبر البوح.. ( يمنع المنقول ) |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||||||||||
|
||||||||||||
|
في زمن كان فيه الضوء يأتي من مكان واحد فقط في العاصمة عمان، قبل أن تغزونا الشاشات الزرقاء وتسرق أطراف الحديث، كانت سينما الأثر تقف شامخة كصندوق أسود يحوي كل ألوان العالم. لم تكن مجرد مبنى، بل كانت قُبلة حياة على جبين الذاكرة، والمحراب الذي قصدته أفئدة المدينة الظامئة للحلم. كنتُ طفلاً لا يرى الحقيقة إلا من خلال ثقب جهاز العرض. بالنسبة لي، كل ما خارج جدران "الأثر" كان ضبابًا رماديًا: قسوة الحياة، أعباء الفقر، ووجوه الوداع الغاشم. وحده الضوء المتسلل من عدسة جهاز "أبي عصام" هو ما كان يمنح الحياة معناها الفلسفي. أبي عصام، الحارس لجهاز العرض، لم يكن مجرد عامل. كانت يداه الممسكتان ببكرات الأفلام كأنهما تحركان عجلات الزمن. أدرك بفطرته العميقة أن العالم كبير وواسع، لكنه أيقن أن الحلم هو طوق النجاة الوحيد. كان يهمس لي، وهو يضبط إطار الصورة على الشاشة المتلألئة: "يا ولدي، الفن هو اختزال الجمال. انظر إلى هذه اللقطة... سينتهي المشهد قبل أن يدهم الممثل التعب. السينما تخلّد اللحظة لأنها تعرف أنها ستزول." في عتمة القاعة، حيث تذوب الفوارق، كانت "الأثر" بوتقة اجتماعية. هناك، يجلس العاشق بجوار الثري، والطفل بجوار الخائف المرتجف. كانت العتمة حاضنة مشتركة، تُجبر الجميع على التخلي عن قشور الواقع والذوبان في التجربة الجمعية المقدسة. الجميع يولي وجهه شطر القبلة المضيئة، وكأن الشاشة مرآة عملاقة تعكس ذواتهم وتجاربهم الكامنة. كنت اشرب من هذا النور، وأتعلم من أبي عصام "سر الصورة الخالدة". كنت أرى أن الفيلم ليس مجرد حكايات، بل هو أنا الذاكرة، برزخ بين النور والعتمة، بين ما كان وما يجب أن يكون، يثير لواعج الشوق الغامض. مرت السنون كشرائط فيلم تُعرض بسرعة جنونية. طغت الرقمية، وتسللت الأضواء الزرقاء من الشاشات الذكية لتخفت شمس "الأثر". عدت بعد عقود، رجلًا ناضجًا أنهكه ثمن النسيان وفقدان البراءة، إلى حارتي القديمة. وجدت "الأثر" مهجورة، صرحًا آيلًا للسقوط، وكأنها ضريح لطفولتي المفقودة. دخلت القاعة المظلمة التي لم تعد مظلمة، بل تملؤها الأتربة وضوء الشمس الخجول المتسرب من شقوق السقف. كل شيء صامت. صمت مطبق. بينما أتفحص حطام كرسي مكسور، عثرت على صندوق خشبي صغير خلف جهاز العرض الصدئ. وصية أبي عصام الأخيرة. كانت بكرة فيلم صغيرة. ارتجفت يداي وأنا أضعها على جهاز عرض صغير اشتريته حديثًا. الضوء الأبيض يتسلل، والصورة تبدأ بالظهور على الحائط المقابل. لم تكن حكاية متكاملة أو مشهدًا عظيمًا. كانت كبسولات متوالية من حكمة اجتهد الرقباء قديمًا في بترها من الأفلام بحجة أنها "مسيّسة" أو "خارجة عن النص". كانت لقطات عابرة: تجاعيد وجه تختزل تعب العمر، همسة فلسفية ضاعت في ضجيج الحياة، أو حوار صامت بين رجل عجوز وطفل حول سر البقاء. لقد جمعها أبي عصام ببطء وعناية فائقة، لقطة تلو لقطة، وحكمة تلو حكمة. هنا، في حطام هذه الغرفة، كان صمت أبي عصام يصرخ في وجه الحرمان الغاشم. في تلك اللحظة، فهمت الفلسفة الكاملة: "هذه هي الحقيقة العميقة التي حُرمنا منها جميعًا، فاحتفظ بها أنت ولو في سجلات الذاكرة." كانت هدية الوداع التي تختزل معنى "الأثر": الحكمة المقيّدة في قيود الواقع تجد حريتها المطلقة في رحاب الفن وسرمدية الذاكرة. أدركت أن "سينما الأثر" ليست مجرد سردية عن صناعة الأفلام، بل هي حنين يجمّل الماضي ويحمينا من لعنة النسيان. كل واحد منا يخفي في صدره "ضوء" صغير تركه خلفه: مكان، وجه، أو شغف. وتلك هي الجنة المفقودة التي لا نعود إليها إلا في أجنحة الخيال. في نهاية المطاف، أدركت: أن الحياة، لا نملك حيالها إلا البحث عن الحكمة... حتى مع إدراكنا اليقيني بأن النهاية قد كُتبت على لوح القدر منذ البداية. نبيل محمد حصري
المصدر: منتديات مدائن البوح
|
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| على حافة الرصيف | طلال الفقير | قبس من نور | 16 | 08-10-2025 02:14 AM |