![]() |
حين يُعمي الإعجاب .. حكاية قلبٍ فقد ميزانه
هناك من الإعجاب المفرط ما يُصِمُّ ويُعمي عن الاعتدال، ويَحجب البصيرة عن التمييز بين الخطأ والصواب، وذاك الانجذاب المبالغ فيه، كريحٍ عاتيةٍ تقتلعُ ثبات النفس من جذورها، وتُلبس الوهمَ ثوبَ الحقيقة. ولذلك التعلّقُ علاماتٌ تُبيّن ظواهرَ ذلك الداء، وتكشف خباياه في ثنايا السلوك؛ فيكمن في كثرة الثناء عليهم، والإفراط في الحديث عنهم، وتتبع أخبارهم كأنها أنفاس الحياة، وذلك الهجوم الكاسح إذا ما هُدِّدت شخوصهم، وكأنّ الدفاع عنهم دفاعٌ عن الذات، وذلك التأثر عند مفارقتهم، وانقطاع أخبارهم ولو لدقائق! وذلك الضيق والكدر، وظلمة الدنيا عليهم وضيقها عند معاتبتهم لهم، والتشاؤم الذي يطرأ على حياة ذلك المستهام إذا أتى الجفاء من قبل أحدهم، كأنما انطفأ في داخله مصباحُ الرجاء. أسباب الإعجاب هي عاطفةٌ جياشة، يتمايز الناس في مواردها، وتختلف نفوسهم في منابعها؛ فهناك من الناس من تأسرهم وتسلب لبَّهم تلك المشاهدات التي هم منها في بُعد، أو لنقل: لم يكتشفوا القدرات التي لديهم، فصاروا يرون في غيرهم صورة ما ينقصهم، لا حقيقة ما يُكملهم. فعندما يخالطون أحدهم ممن تمتعوا بلباقة الحديث، ووافر المعرفة، وغزير العلم، أو بذاك صاحب الهندام ووافر المال، أو بتلك الأنيقة الباهرة الجمال، ترى ذلك المبهور بتلك الفئة يهيم بتبجيلهم، ويتابع أخبارهم، ويرنو لمجالستهم، والاستماع لهم، والحديث معهم، لدرجة ذلك الحرص الذي يصل به الحال للتعلّق بهم، فلا يفتر اللسان عن ذكرهم، ولا يفتر القلب عن تعظيمهم! من غير أن يضع هنالك مسافة أمان، تحميه من صولة الأيام، وتبدل الحال والأحوال، فإنّ من لم يُحسن التقدير، أوقعته الأيام في مرارة الانكسار. وما يزال ذلك الإنسان يذوب في شخصية ذلك الغير، حتى يتخلى عن المبادئ، ويستعير ملامح ليست له، ويكون تابعًا ومنقادًا من غير تبصرٍ ولا إدراك، تاركًا الاعتدال في خبر كان، حتى إذا تمادى وغالى، استيقظ على صفعة الحقيقة، بعد أن عظّم من جهل حقيقتهم، وجعل المظهر شاهدًا على المخبر، وهو شاهدٌ كثير الزلل، قليل الصدق، وما على العاقل إلا أن يتعامل مع بني جنسه معاملة المحاذر، لا المندفع ولا المنخدع. على أنّ الحذر لا يعني سوء الظن، ولا أن يُتوقّع من الناس الشر، فذلك بابٌ آخر من الإفراط؛ وإنما الحكمة أن تسير العلاقة على وتيرة الاعتدال، فلا إفراط يُعمِي، ولا تفريط يُقصي، فلا يكون هنالك مجال للطم الخدود، ولا لندب الحال، إذا ما تكشفت حقيقة ذلك الإنسان بعد أن أحسنا به الظنون، وفي ذات الوقت لم نُسقط احتمال أن يكون بخلاف ظاهره المذاع المشاهد للعيان، كي لا تصيبنا صدمة الحقيقة، ولا تتكسر فينا مرايا التوقع، فنقف بعدها على أطلال خيبة الأمل. "ويبقى الإنسان يعيش على كفتي نقيض؛ بين إعجابٍ يرفعه إن اعتدل، وتعلّقٍ يرديه إن انفلت." وهنا فائدة تناولها مشرط البحث، فأبان عن دقائقها، وكشف عن حقائقها: 1- التأثر والتأثير: مدار العلاقات، وميدان التشكّل. 2- التملّق: قناعٌ زائف، وبابٌ من أبواب الاستلاب. 3- التعامل بالحرص والحذر: ميزان النجاة، وعدّة العاقل. 4- الاعتدال في العلاقة: حدٌّ فاصل بين الوعي والذوبان. 5- وضع الاحتمالات والثبات عند وقوعها: سكينةُ الفهم، وثمرةُ البصيرة. |
| الساعة الآن 04:52 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
المنتدى حاصل على تصريح مدى الحياه
دعم وتطوير الكثيري نت