منتديات مدائن البوح

منتديات مدائن البوح (https://www.boohalharf.com/vb/index.php)
-   قناديـلُ الحكايــــا (https://www.boohalharf.com/vb/forumdisplay.php?f=31)
-   -   حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية) (https://www.boohalharf.com/vb/showthread.php?t=22079)

نبيل محمد 02-23-2026 11:06 PM

حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
في زوايا الذاكرة البعيدة، لا زلت ألمح يدي الصغيرة وهي تتشبث بكف جدي، ونحن نجوب أزقة مدينةٍ قديمة تفوح من جدرانها رائحة الجذور والسكينة. كانت البيوت المشيدة من لبنات الطين تبدو وكأنها تحتضن بعضها في ألفةٍ فطرية، لكنَّ شيئاً واحداً استوقف فضولي الصغير آنذاك.
في معظم تلك الجدران، لاحظتُ تجويفاتٍ غائرة نُحتت بدقة وهدوء. ظننتُها في بادئ الأمر "مشكاوات" صُممت لتحمي فوانيس الزيت من عصف الريح، أو ربما مجرد زخرفة معمارية، فسألت جدي بفضول الطفولة: "لماذا تركوا هذه الفجوات في قلب الجدران يا جدي؟ هل هي للفوانيس؟"
توقف جدي، وألقى على تلك التجويفات نظرةً يملؤها الإجلال ثم قال:
«يا بني، هذه ليست للفوانيس، بل هي "ملاذات الكرامة". هنا يضع صاحب البيت ما تجود به نفسه من طعامٍ أو متاع، ويأتي عابر سبيلٍ أو جارٌ ضاقت به السبل، فيأخذ نصيبه في عتمة الليل أو سكون النهار، دون أن تراه عين، ودون أن يضطر لمد يده للسؤال».
في تلك اللحظة، أدركتُ أن تلك البيوت لم تُعجن بالتراب والماء فحسب، بل عُجنت بالرحمة. كانت تلك التجويفات "أبواباً سرية" للعطاء؛ تتيح للمُعطي أن يجود بلا خيلاء، وللمحتاج أن يأخذ بلا انكسار.
لقد علمتني تلك المدينة البسيطة أن العطاء الحقيقي لا يُقاس بمقداره، بل بالطريقة التي نُسيّج بها كبرياء الآخرين. فما أجمل تلك القلوب التي لم تكتفِ بسد الجوع، بل سعت جاهدةً ألا تجرح عزة النفس.
https://f.top4top.io/p_37042i68l4.gif

نبيل محمد
حصري
"هذه الحكايةُ من صميمِ الواقع، ليستْ نَسْجَ الخيالِ .

رقيقةُ الإحساس 02-23-2026 11:24 PM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
أهلاً كبييرة بنبيل الحرف ولا تكفيك ..
كأنك لم تكتب حكاية ..
بل فتحت نافذةً صغيرة في جدار قلوب كُل من يقرأ هُنا …
وتركت الضوء يتسلل بهدوء !..

شعرتُ وأنا أقرأ أنني أمشي خلف ذلك الطفل ..

أراقب يده المتشبثة بكف جده وأستنشق رائحة الطين الدافئ الممزوج بكرامة الأنسان !..

تعبيرك عن تلك التجويفات بأنها “ملاذات الكرامة” … كان رائع جداً وجدا …حدّ الدهشة…

ما أجمل أن يتحول الجدار إلى حضن دافئ في هذا الشهر الكريم …
وأن يصبح الطين شاهدًا على نُبل الأرواح….

لقد منحتَ العطاء بُعدًا أعمق من الصدقة ..


وجعلتنا نرى كيف يمكن للرحمة أن تكون ..
ذكية
رقيقة
تحفظ ماء الوجه كما تحفظ القلوب…

كلماتك مليئةً بالحنينٌ الناعم يشبه ضوء الفانوس في ليالي رمضان مشاء الله لاقوة الا بالله لجمال هذهِ الصور البلاغية …
ووفاءٌ جميل لذاكرة الجد ولزمنٍ كان فيه الخير يُخفى كما تُخفى الدعوات في الصدور….

شكراً كبيرة لك أ ستاذ نبيل ..
لأنك لم تروِ قصة لنا فقط …
بل ذكّرتنا بأن الإنسانية أحيانًا تختبئ في فجوةٍ صغيرة داخل جدار…
لكنها تتسع لتسع العالم أجمع
أبقاكَ المولىّ لمدائنك ياراقي
أرقُ التحايا وأعذبها من قلب العبير:g

الْياسَمِينْ 02-23-2026 11:38 PM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
بسم الله وماشاء الله أ. نبيل
جميل هذا السرد
الذي أعاد للطين صوته
وللجدران نبضها الإنساني…
ليست حكاية عن بيوتٍ قديمة
بل عن قلوبٍ كانت تبني الكرامة
كما تبني الجدران…
فكرة “ملاذات الكرامة”
مؤثرة حدّ الدهشة؛
إذ تختصر معنى العطاء في أسمى صوره:
عطاءٌ يحفظ جميل جدا ماء الوجه
قبل أن يملأ اليد…
نصّ رقيق وعميق
نتعلم منه :
أن أجمل ما في الماضي
ليس طينه، بل رحمته…
لفكرك الجميل:1324344:

بدرية العجمي 02-24-2026 11:02 AM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
نصٌّ يفيض إنسانيةً ووعياً، ويعيدنا إلى جوهر العطاء قبل أن تلوّثه الضوضاء والاستعراض.
أحسن الكاتب نبيل محمد التقاط الحكمة المختبئة في الطين، ليجعل منه شاهداً على قيمٍ سامية؛ حيث يُمارَس الكرم بصمت، ويُصان فيه وجه المحتاج قبل حاجته.
السرد هادئ، عميق، ومشحون بدفء الذاكرة، يربط الماضي بالحاضر دون وعظ، ويترك للقارئ مساحة التأمل.
إنها حكاية لا تحكي عن جدرانٍ طينية فحسب، بل عن قلوبٍ بنت أخلاقها قبل بيوتها، فاستحقت أن تبقى حيّة في الوجدان


صانع ذكريات 02-24-2026 02:19 PM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
نبيل محمد
للرقى اصل وأثر ممتد.
شكرا لقصتك الواقعية التى لونت حاضرنا بألق من الماضى الجميل واحيت فى القلب نبض خير سوف تتناقله الشفاه .
كل عام وأنتم والأمة الإسلامية بكل الخير
لى حفظ الله ورعايته

بُشْرَى 02-26-2026 01:58 AM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
.
.
العطاء الحقيقي لا يُقاس بمقداره، بل بالطريقة التي نُسيّج بها كبرياء الآخرين
العطاء قيمة إنسانية
ممارسة من وازع الرحمة
وهذا سر الأجر فيه إن حرص صاحبه على كبرياء الآخرين
وكرامتهم ..
كتبت بمنتهى النّبل أخي نبيل الجمال
وسطّرت أروع المناحي الإنسانية وسبلها
ما أرقى العطاء بهذه النوايا
وما أجمل صورته
بورك المداد الذي نفخر به
وبورك هذا السرد المفعم بالبركة
طبتَ وتقديري
:orig:

هادي علي مدخلي 03-08-2026 10:27 PM

رد: حين يتحدث الطين "سترًا"....( حكايات رمضانية)
 
وتبقى المدائن
هي قبلة الأدباء الأولى
مرحباً بهذا الجمال
للختم والنشر
وباقة ورد
:orig:


الساعة الآن 07:51 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
 المنتدى حاصل على تصريح مدى الحياه
 دعم وتطوير الكثيري نت

Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

new notificatio by 9adq_ala7sas
This Forum used Arshfny Mod by islam servant