![]() |
حَسَّان ..
في مدينة تدعى (فانتازيا ) حيث لا تغرب فيها الشمس إلا إذا داهمتها جيوش الذاكرة ، عاش ( حسان ) رجل ساهم النظر ، حاضر الوعي ، يجيد ملء الفراغ ، وتتبع الخيال ..
حتى صار خياطا للظلال .. ولأنه لم يكن يرتق قماشا ، بل كان يرتق تلك الفراغات السوداء التي تسقط من أقدام الناس حين تشتد عليهم شمس الحقيقة. اعتاد الناس أن يأتوا إليه بظلال لهم مهترئة ، ممزقة الحواف ، أو باهتة اللون بسبب طول الوقوف في ساحات الانتظار . ذات مساء مطره من نبيذ ، دخلت عليه امرأة لا ظل لها . مشت فوق الأرض الرخامية وكأنها طيف ينشد اكتمالا أو كمالا ، قالت بصوتٍ يشبه نشنشة الورق ، أو صرير باب عتيق في زقاق قديم : ( لقد ضاع ظلي في زحامِ حلم بعيد ، ولم أعد أعرف أين ينتهي جسدي ، كي تبدأُ خفقتي ) نظر حسان في عينيها ، فرأى سديما من النجوم المنطفئة. لم يطلب منها مالا، بل طلب (خيطا من صوتها ) صوتها المبحوح ، كأن النبرة تجر خلفها عالما من الخيبات تعقبها الحسرة أو قد تسبقها ، ثم أخذ إبرة مصنوعة من نصل الصمت ، وبدأ يخيط لها ظلا جديدا . لم يأخذه من العتمة ، بل نسجه من كحل دمعة ، ومن لحظة انكسار .. وبينما كان يغرز الإبرة ليلتحم الظل بالجسد ، كانت ثمة أطياف وعوالم تتجسد ، وبدأ الخيط يئن كقيثار حزين ، وإذ بالظل ينمو تحت قدميها مثل حديقة من الأبنوس .. حين انتهى ، التفتت المرأة لترى خلفها ظلا ، لكنه لم يكن يشبهها تماما ، كان ظلا يحمل أجنحة لم تملكها يوما .. لكنها سعدت به ، وراحت تمشي فإذ مع كل خطوة لها كانت ثمة زهرة تتفتح تحت أقدامها حتى إذا ما عرجت نحو السماء بأجنحة ظلها ، تركت خلفها حديقة تفوح بعطرها .. تلك الزهور كانت حكايات لم تجرؤ على قولها ، تلك الحكايات التي دفنتها مع ظلها المفقود ومضت تمشي على استحياء حتى نسي الضوء الخافت أن ينسج لها ظلا . |
رد: حَسَّان ..
|
رد: حَسَّان ..
لقد نسجتِ نصاً يتجاوز حدود القراءة العابرة ليصبح تجربة شعورية متكاملة كتابتكِ ليست مجرد رصّ للكلمات بل هي هندسة للأرواح تملكين قدرة نادرة على تجسيد اللامحسوس وجعله نابضاً بالحياة فخياطة الظلال بإبرة الصمت هي صورة فنية لا تخرج إلا من خيالٍ متّقد وذائقة أدبية رفيعة ما يميز قلمكِ يا أ. راحيل اللغة السائلة: التي تنساب بين الواقع والخيال دون تكلف العمق الفلسفي: في طرح فكرة الهوية والانكسار والترميم الإنساني الأناقة في الوصف: حيث تجعلين للألم رائحة وللصوت ملمساً دمتِ بهذا الإبداع ودام قلمكِ يمنحنا أجنحةً لنحلق بها في سماوات فانتازيا الخاصة بكِ :1478: |
رد: حَسَّان ..
مبدعة المدائن وفارسة السرد راحيل
وجمال هذه الحكاية التي تنسج من الخيال وشاحًا يليق بأحلامنا الضائعة… لقد رسمت لنا مدينة "فانتازيا" بمدادٍ من الدهشة… حيث الظل ليس إسقاطًا للنور بل حكاية تُخاط على أطراف الروح. حسان، خياط الظلال لم يكن يرتق ما تهرأ من قماش … بل ما تهرأ من أرواحنا حين تلسعها شمس الحقيقة وتنهشها ذاكرة الانتظار. ثم جاءت تلك المرأة التي فقدت ظلها كأنها فقدت جزءًا من وجودها… فاستعارت من صوتها خيطًا ومن دمعها كحلًا ليعيد لها حسان ظلًا لا يشبهها إلا بقدر ما يشبهنا ظل الحلم حين نفيق من الغفلة. كم هو مدهش ذلك التحول: ظلٌ جديد، بأجنحة لم تعرفها يومًا… يفتح لها أبواب السماء ويزرع تحت خطاها حدائق من الحكايات المؤجلة تلك التي لم تجد يومًا من يصغي إليها أو يرويها. الظلال هنا أجنحة والألم بذرة والحكاية عطر يفوح في حدائق النسيان. نصك يا عازفة الحرف لوحة سريالية تلامس القلب وتوقظ فينا الحنين لظلٍ فقدناه يومًا… أو لحكاية لم نجرؤ على قولها. حتى الظلال يمكن أن تزهر حين تمتزج بالخيط والصوت والدمع. دمت خياطةً لأحلامنا وراويةً لظلالنا المفقودة. كل كلمة في نصك زهرة وكل ظل جناح. بُهرتُ، وأعدت لي إيماني بأن الكلمات قادرة على ارتقاء المستحيل. لكِ منا كل التقدير والمحبة فأنتِ الحكاية التي لا تنتهي والظل الذي لا يغيب. دمت راحيل ظلًا جميلًا لا يُشبه إلا نفسه. ودامت "فانتازيا" مدينةً لا تغرب فيها شمس الحكايات…:1478: |
رد: حَسَّان ..
الظل جوهر يتكوّن من مواجهة الكسر وليس من الضوء.
وحين يكتمل، لا يربط صاحبه بالأرض، يمنحه عبورًا ويخلّف أثرًا حيًا يدل عليه. ويصف حالة اكتمال داخلي لا تتحقق بالنجاة من الألم، إنما بتحويله إلى قابلية للحياة، حيث يصبح الأثر أهم من البقاء، ويغدو العبور شكلًا أصدق من الثبات. شكرًا للكاتبة على هذا النص الذي يترك أثره بهدوء ويمنح التجربة مساحتها. |
رد: حَسَّان ..
الروح تصفق لإبداعك يا راحيل ومدائننا بكم رحابة سماوات .
دمتم هكذا فكرة لم نعهدها ودامت بكم الدهشة نور مسافات . شكرا لما طرحتم وأظلنا سريعا دمتم أستاذتنا بكل الخير فى حفظ الله ورعايته |
رد: حَسَّان ..
الكاتبه الانيقة (( راحيل )) نصّكِ هذا يُشبه حكايةً تُروى على ضوءٍ خافت حيث لا يكون السرد مجرّد حدث، بل طقسًا شعوريًا مكتملًا لغة القصة مشبعة بالدهشة تمشي على حدٍّ دقيق بين الحلم والفلسفة وتمنح الرموز حياةً نابضة دون أن تُثقِلها بالشرح شخصية “خياط الظلال” جاءت مدهشة في ابتكارها إنسانية في جوهرها وكأنها استعارة رفيعة لمن يرممون أرواح الآخرين بصمت أما المرأة بلا ظل، فحضرت ككائن شعري خالص ترك أثره لا في الحكاية فقط بل في القارئ ذاته، حتى ينتهي النص وهو ما يزال يفوح بعطره ..!! الأديبة راحيل… حضوركِ في النص ليس كتابةً فحسب، بل كشفٌ هادئ لطبقاتٍ خفية من الروح. تنسجين الحرف بعينٍ ترى ما وراء المعنى، وتتركين للقارئ دهشة الاكتشاف لا يقين التلقّي. في لغتكِ رهافة تُشبه الصمت حين يكون أبلغ من الكلام، وعمق يشي بكاتبة تعرف أين تقف الفكرة، ومتى تتركها تمضي نصوصكِ لا تُقرأ فقط، بل تُعاش… وتبق عابرة مرت من هنا ..!! |
رد: حَسَّان ..
اقتباس:
الراقي النبيل أخي المكرم وأستاذي / نبيل محمد أشكر تحليلاتك العميقة وقراءاتك المستفيضة لحرفي شعرا ونثرا وقصة .. حضورك الوارف يظلل الحرف ويفيء عليه حنوا وجودا فشكرا لك ، وجزيت الخير .. |
رد: حَسَّان ..
اقتباس:
نعم أيتها العطرة ما أحسن قراءءتك وتحليلك أيتها الواعية الصغيرة بل الواعية العميقة .. حسان هو نفسه المرأة لكن بصورة أقوى جسدت الضعف امرأة والقوة في الرجل القوة بعد أن فهم الناس جميعا واستغور حتى الظلال وكنهها وصار يهب من نفسه ليرممهم .. ثم التفت ليرى نفسه الضعيفة قادمة من حقبة سحيقة .. فطن أن ما كان ينقصه جناح وأنه مشى ( جنب الحيط ) على استحياء حتى نسي الضوء الخافت أن ينسج له ظلا ، ففقد ظله ، فقد كل تلك الحكايات التي تفتحت بعد أن كانت ضاعت مع ظله المفقود .. السر هنا (أين ينتهي جسدي ، كي تبدأُ خفقتي ) حين انتهى جسدها بالمعراج نحو السماء بدأت مرحلة خفقتها حيث تفتحت حكاياتها ، وتركت خلفها حديقة تفوح بعطرها .. القصة معقدة ومتشابكة كما ولدت في ذهني علها تصنف من القصص الناجحة .. محبتي والود .. |
رد: حَسَّان ..
اقتباس:
أخي المكرم / الفيصل وأستاذي الكريم .. الكاتب العميق فكرا وتعليقا سعدت بمرورك الأول على إحدى صفحاتي .. حياك الله ، مع شكري وتقديري والامتنان .. |
| الساعة الآن 05:49 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
المنتدى حاصل على تصريح مدى الحياه
دعم وتطوير الكثيري نت