![]() |
عبق
🌑 الباب الثالث عشر: عَبَق
من كتاب: أبواب الأربعين ✍️ إلهام عبد المهيمن أحمد العِبق لا يزول، لأن بعض الأشياء لا تُنسى مهما حاولنا، ولأن الذاكرة لا تخضع لأوامر القلب ولا تعترف بمحاولات النسيان. العِبق ليس رائحة… هو فِخاخ الذاكرة، ذلك الذي يهجم عليك بلا موعد، في لحظة صمت، في زاوية مكان، في نفسٍ عابر فتنهار مقاوماتك كلها. لا تقترب… فأنا ما زلت أحتفظ برائحة الذين رحلوا، أخاف أن تلمسني فتوقظ فيّ أسماءً دفنتها كي أستمر. العِبق هو أن تتذكّر وأنت لا تريد، أن تشعر وأنت مُنهك، أن يعود الماضي وأنت واقف في الحاضر تحاول ألا تسقط. هو ذلك الثقل في الصدر الذي لا يُرى، ولا يُشفى، ولا يصرخ، لكنه ينهكك ببطء كأنفاسٍ أخيرة لم تجد صدرًا آخر. أحمله داخلي كذكرى لم تجد قبرًا مناسبًا، كأثرٍ رفض الرحيل بعد أن أُغلقت الأبواب وانتهت الحكايات. العِبق لا يسأل إن كنتُ جاهزة، ولا يستأذن القلب، هو يعرف طريقه إليّ كما يعرف الوجع كيف يعود في الوقت الخطأ. أشمّه في الأماكن التي لم تتغيّر، وفي الأماكن التي تغيّرت كثيرًا، في تفاصيل ظننتها ماتت فإذا بها تنهض حيّة في داخلي. العِبق ليس حنينًا جميلًا دائمًا، أحيانًا يكون عقوبة، تذكيرًا قاسيًا بأنك كنت صادقًا أكثر مما يجب، وأحببت بعمق لا يُغفَر. العِبق هو أمي… ليس لأنها رائحة دفء فقط، بل لأنها أول ذاكرة، وأعمق أثر، وأقسى خوف من الفقد. وهو ابنتي… لأنها تجعلني أعيش بين زمنين، ماضٍ لا يرحل، ومستقبل أخاف عليه من نفس الألم. العِبق هو الحب الذي لم يمت رغم أنه كان يجب أن يموت، هو الشعور الذي رفض أن يرحل حتى بعد أن انتهى كل شيء. أحيانًا أتنفّسه عن قصد، لأتأكد أنني ما زلت إنسانة، وأن ما كسرني يومًا كان حقيقيًا. لا تحاول إنقاذي منه، فبعض الأوجاع نربّيها في الداخل، لأنها الدليل أننا أحببنا حتى النهاية. العِبق لا يوجع مرة واحدة، هو وجع متكرر، صامت، ذكي، يعرف متى يعود ومتى يتركك تظن أنك شُفيت. ومع ذلك… نحن لا نريد الخلاص منه تمامًا، لأن العِبق هو الدليل الوحيد أننا عشنا بصدق. |
رد: عبق
|
رد: عبق
القديرة اليمامة البيضاء
نصّ كثيف ومؤلم بهدوء، يحوّل الذاكرة إلى إحساس يُشمّ لا يُروى. لغة ناضجة، وصور عميقة، وصدق يُتعب القارئ ببطء… وهذا أجمل ما فيه |
رد: عبق
الكاتبه الرائعه
(( اليمامه البيضاء )) نصٌّ يُشبه الاعتراف الهادئ الذي لا يطلب خلاصًا، بل يفهم وجعه ويصادقه. كتابة تمسك بالذاكرة من طرفها الأكثر صدقًا، حيث لا تزويق ولا ادّعاء شفاء، بل إنسانية عارية تقول: نعم، هذا يؤلمني… لكنه كان حقيقيًا. في هذا النص، العِبق ليس كلمة، بل كائن خفيّ يتنفس بين السطور، يمرّ علينا كما مرّ على الكاتبة: بصمتٍ موجع، وبصدقٍ لا يُنكر. نص يُقرأ ببطء، لأن فيه وجعًا لا يُحتمل على عَجل، وجمالًا لا يُفهم إلا بالقلب هذا نصّ يُجيد تحويل الذاكرة إلى أثرٍ نابض، ويجعل من الفقد شهادة حب لا تُمحى. تحية لـقلم يعرف أن بعض الأوجاع لا تُشفى، بل تُحترم عابره مرت من هنا ..!! |
رد: عبق
تشريح شعوري دقيق لما نسميه "الذاكرة الشميّة" والوجدانية لقد استطعتِ وصف تلك الحالة التي يعجز الكثيرون عن تسميتها كيف يمكن لرائحة أو ذكرى عابرة أن تتحول إلى "فخ" أو "عقوبة" أو حتى "ملاذ" ثمة صدق جارح في تشبيهكِ للذكرى بأنها "لم تجد قبراً مناسباً" وكأن الأوجاع التي لا تنتهي تظل تبحث عن مستقر فلا تجد سوى صدورنا لتعيش فيها لقد أثبتِّ في نصكِ هذا أن الكتابة هي أرقى أنواع الشجاعة فليس من السهل أن يقف المرء أمام ذاكرته بكل تجرد ويسمّي الأوجاع بمسمياتها دون تجميل |
رد: عبق
الكاتبة الكبيرة اليمامة
نصّك رائع وعميق جدًا، يمسّ القارئ في أكثر نقاطه حساسية، ويحوّل الذاكرة والأثر العاطفي إلى تجربة ملموسة يشعر بها القلب قبل العقل. أحببت كيف جعلتِ العِبق ليس مجرد رائحة، بل فخّ ذاكرة، وثقل في الصدر، ووجود حيّ لا يُمحى، وكيف ربطتِ الماضي بالحاضر والمستقبل بطريقة تجعله حاضرًا دائمًا، أحيانًا مؤلمًا، وأحيانًا تأكيدًا على صدق المشاعر. شكرًا لكِ على هذه الكتابة الصادقة التي تحمل الحنين، الألم، والوفاء للعلاقات والأثر العاطفي العميق، وتترك أثرها طويلًا في النفس |
| الساعة الآن 12:52 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, vBulletin Solutions Inc.
المنتدى حاصل على تصريح مدى الحياه
دعم وتطوير الكثيري نت