المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : `~'*¤!| دعـــــوة للـــــرقـــــص |!¤*'~`... «( متجـدد )*


شاهد قبر
01-03-2021, 12:37 AM
https://mrkzgulfup.com/uploads/158992148787251.jpg (https://mrkzgulfup.com/) (https://mrkzgulfup.com/)
إهداء
إلى التي ساعدتني في عبور ظلام الحيرة، حتى وصلنا شاطئ الشمس.
إلى المطر الذي غسل أخطائي، والأضلاع التي احتوت ثورتي، والمشكاة التي أنارت ظلمتي.
إلى جنون الخيال، وحواف المحال.
إليكِ
وحدك
.
.
.
ش ـاهد
(( يا للعجب ))

الكلمة الوحيدة التي كررها عقلي وأنا أُقَلّب المنديل الحريري الأبيض بين أنامل كفي حين كنت غارقاً في لّجة من التفكير العميق.
منديلٌ من ( مناديل الدانتيل ) الأبيض وبطرفه تطريزٌ فاخر - لم أتعرف على ماهيته - وصلني صباح اليوم بطريقة غامضة.

ألقيت نظرةً خاطفة على الصندوق الأرجواني الصغير إلى جواري على المقعد الخلفي داخل السيارة، والذي وجدته صباح اليوم الباكر متروكاً أمام باب منزلي الصغير في ضواحي المدينة.

أعدت بصري ناحية المنديل وتركزت نظراتي على الحروف المطرزة المبهمة في طرفه ( أ.ي.س )، قبل أن تنطلق تنهيدة خفيفة بالرغم من شكي بأن يكون السائق الصامت قد انتبه لها أصلاً، وكيف سينتبه ولم تنشأ بيننا أي محادثة منذ ما يزيد على نصف ساعة كاملة حين أمليت عليه وجهتنا.

الساعة الآن على تابلوه السيارة تشير إلى العاشرة والثلث..
أنوار السيارة تشق كسكين الزبدة ظلمة الطريق أمامنا ولا شيء يبدو واضحاً لعدة أمتار.
أشحت ببصري ناحية البحيرة التي ترافقنا منذ برهة ونحن نسير بمحاذاتها، يتلألأ على صفحتها نور القمر المكتمل وكأنه يرسل ضوئه الديجوري ليرقص فوق سطحها رقصة العاشق للغُسل والطهارة.

https://www.up-9.com/image189241.html (https://www.up-9.com/) (https://www.up-9.com/)


واسترجعت ذاكرتي بروية ما كُتب على الكرت الأنيق الذي صاحب المنديل والزنبقة البيضاء الوحيدة، ويا للغرابة .. زنبقة فتيّة منتعشة في فصل الشتاء ؟!

(( المعذرة ))
لم أخبركم بأننا في فصل الشتاء.. وفي بداية يناير بالتحديد..
الفترة التي - كما تعلمون - تسمى بالمربعانية والتي تمتد من صبيحة 23 ديسمبر وحتى مساء 31 يناير.
ولم أخبركم باسمي على الأقل .. وهذا لعمري لتصرف ينافي اللياقة واللباقة، فاعذروا زلتي وسوء تصرفي.

إسمي أيها السيدات والسادة "شاهد"..
وسر استغرابي أن هذه النوع من الزنابق ينام خلال فصل الشتاء ويزدهر في فصلي الصيف والربيع، ونحن الليلة بالتأكيد لسنا فيهما اطلاقاً..
- رائحة هذه الزنبقة العجيبة تملأ القُمرة بالانتعاش .. أليس كذلك يا "ياسين" ؟

قلتها بصوت خافت، وقد بدأت ألمح بعض الركام يغزو ديجور السماء ويهاجم سطوة القمر ويحاول تنحيته هذه الليلة أيضاً التي سرق فيها بعضاً من الصفاء والنور.

ابتسم "ياسين" أو هكذا تخيلته وهو يجيبني باقتضاب دون أن يلتفت:
- هي كذلك بالطبع.
ثم أكمل في سرعة.
- إنها ليلة أخرى تُنذر بالغُسل والمطر يا سيدي.
- بالتأكيد يا "ياسين".

كنت قد انتبهت لذلك وقد بدأت قطرات خجلة صغيرة تغزو طرف نافذة السيارة الأيمن بالفعل.
ثم عاد الصمت بعد المحادثة القصيرة مع "ياسين"..
و"ياسين" بالمناسبة هو ابن العم "مسعود" الذي أُحيل للتقاعد بعد أن خدم العائلة قرابة 25 سنة، عاش مع عائلتي زمناً شعرنا فيه بأنه واحد منا.

بعد ما يربوا على الدقائق العشر.
- هل اقتربنا يا "ياسين"؟
قطعت بالسؤال السابق الصمت من جديد، قبل أن يجيبني في خفوت:
- ليس بعد، أمامنا ربع ساعة على الأقل.
استكنت أكثر إلى مقعد السيارة الخلفي الوثير ورحت استرجع سبب هذا المشوار..

البداية .. كانت سطوراً كُتبت على بطاقة أنيقة شَاطَرَت المنديل الغامض والزنبقة العجيبة حَيّزَهما في العلبة.
واستذكرت في عقلي تلك السطور والتي كنت قد حفظتها:
ورحت ارددها مع نفسي:

يا "ش ـاهد" اقبل دعوتنا
وتفضل بزيارة قصري
حفلتُنا الليلة نبدأها
بجنونِ خيالٍ متواري
من بين حروفٍ ننسجها
من همس النَغَم المتعالي
الحادي عشرةَ موعدُنا
فالشوق يغلف أوتاري
زنبقتي تدعوكَ برفقٍ
في مولد ِكلّ الأشعارِ
ابحث عني..
عن أشرعتي
وابحر في ديجور كياني
ارسمني لوحة فنانٍ
قبلني ..
.. حين تراني
سيدةَ العشق وقد أبقى..
.. في عَهَدِك حرفاً وأماني !

(( يا للعجب ))
كررتها في نفسي من جديد وأنا استرجع تلك السطور للمرة العاشرة تقريباً.
وألف سؤالٍ يحلق في سقف المكان دون جواب شافٍ أو لمحة أو تكهن بشخصية صاحبة العبارات، على افتراض أنها سيدة – حتماً – وهذا بدا واضحاً من السطرين الأخيرين.
ولكن من؟
فالقصر المتجه إليه الليلة معروف بأنه مِلكٌ لعائلة (( مدائن البوح )) وأصدقائي فيه محدودين للغاية ولا أعرف سيدةً هناك لدرجة أن تكتب مثل هذه الدعوة.

أعرف أن أصحاب القصر يدعون الناس لحفلة راقصة كبيرة في الاسبوع الأول من كل يناير، ولكنني لم أذهب في الحقيقة من قبل، لعدم حصولي على دعوة لها، حيث وكما أسمع، هي حفلات لا يحضرها إلاّ أناسٌ بعينهم وليست الدعوة لها مفتوحة للعامة.

حين وصلت لهذه النقطة، وكلزمة مفاجأة تأكدت لا شعورياً بأن الوشاح الزبرجدي الذي يحيط بعنقي مُلتف بشكل مناسب.
وكأن "ياسين" انتبه لذلك بدوره، اذ رفع يده في سرعة وعدّل المرآة الأمامية لأرى ما إن كنت قد قمت بتثبته بشكلٍ لائق أم لا.
- شكراً يا صديقي.
لم يرد "ياسين" ولكنني موقن أنه ابتسم كالعادة قبل أن يعود ليثبّت بصره على الطريق أمامه.

ولم تمضِ دقيقتان إلا وهو يهتف في هدوء:
- وصلنا يا سيدي.
ألقيت نظرة سريعة من نافذة مقعدي الخلفي ولمحت عن بعد قصراً ( دزناوي ) بجدارة، ذكرني فعلاً بقصور أفلام ديزني الأسطورية بأسوارها المرتفعة وأبراجها الطويلة الكثيرة ذات القبعات المميزة من القرميد الملون والأعلام الطويلة التي ترفرف بجنون هذه الليلة بفعل الرياح التي بدأت تزيد سرعتها والكشّفات والأضواء القوية التي تضفي على القصر بهاءً ضوئياً ورنقاً خلًاباً بامتياز.

لم تمض لحظات قصيرة حتى كنا نعبر الجسر الوحيد الواسع الذي يعبر النهر ناحية القصر ثم لمحت اللوحة المُرحبة وقرأت المكتوب عليها في سرعة:
حللتم أهلاً ووطئتم سهلاً
مدائن البوح
https://f.top4top.io/p_1828n94yi1.jpg (https://top4top.io/)


قبل أن يستوقفنا حارس البوابة المزخرفة الكبيرة لسور القصر الخارجي بابتسامة مريحة.
أنزلت زجاج نافذتي وسمحت لبعض رذاذ الطل الخفيف ليدخل مع سؤال الحارس المتأدب:
- أسمك أيها الضيف العزيز؟
أجبته في سرعة :
- "ش ـاهد" .. اسمي "ش ـاهد قبر"..
قلّب لوهلة في دفتره الصغير الأنيق قبل أن يبتسم من جديد ويهتف:
- أهلا بك سيدي .. مُرَحّبٌ بك ضيفاً مُكرماً.
هممت برفع الزجاج بعد أن شكرته ولكنه باغتني مستطرداً:
- لا تنس يا سيدي أن تُسلم حارس بوابة القصر نَصَّكَ التعريفي.
شعرت بحيرة من عبارته، مما جعلني أسأله في تعجب:
- وما هذا النص التعريفي؟
لم تفارق ابتسامته ملامح وجهه وهو يقول:
- إنها أوامر السيد والسيدات المراقبين للحفلة "فهمي السيد " و "ملاذ" و "أنين الليل"و "نقاء الياسمين"و "بدرية العجمي".. وعلى كل ضيف تسليم نص أدبي قصير ليتسنى لمُنادي الضيوف التعريف بحضرتك حال دخولك من الباب الرئيسي.
سكّتُ قليلاً مفكراً ثم سألته من جديد:
- أوليست هذي مهمة المُضيف؟ .. ليست أول حفلة أحضرها .. ومن الطبيعي أن يُعرّف صاحب المكان بضيوفه من باب التقدير والاحترام لهم.
بدا لي وكأن ابتسامته قد اتسعت أكثر وملأت ملامحه هذه المرة قبل أن يقول:
- أنت هنا في ( سحر المدائن ) .. لا قواعد تشبه الآخرين .. أسياد القصر يجعلون من الضيف صاحب مكان.
ثم ناولني ورقةً بيضاء صغيرة وقلماً نحيفاً مُذهب ..
شكرته في امتنان وأخبرته أنني أملك الورق والقلم للكتابة، قبل أن أطلب من "ياسين" التحرك والتوقف قليلاً بجوار شجرة أبنوس كبيرة.

التقطت كَرت الدعوة إياه، وقلّبته قبل أن أُخرج قلماً من نوع ( Gaia High Luxury ) من طيات بدلة السهرة.
ورحت أكتب سطوراً على عجل.
انتهيت فَرَبَتُّ على كتف "ياسين" آذناً له بالتقدم.
أوقف "ياسين" السيارة أمام درجات القصر المرتفعة، ليستقبلني أحد المستقبلين بلباس مميز برّاق وقد فتح لي الباب مشيراً بترحاب لارتقاء الدرج.
فعلت ذلك بعد أن عدّلت من بدلتي وشددتها أكثر وهممت بارتقاء الدرجات قبل أن أسمع "ياسين" يهتف وقد بدأ بالتحرك من المكان:
- سأركن السيارة مع سيارات الضيوف وانتظر استدعائك في الردهة المخصصة للسائقين يا سيدي.
أشرت له بيدي اليمني وابتسمت قبل أن أتابع الصعود..
عددتها خمسة عشر درجة قبل أن يستقبلني آخر يدعوني في ترحاب للدخول.
كان باباً مهيباً اسطورياً ذلك الذي فُتح لي بواسطة شخصين.
ومُطلاً على قاعة واسعة راقية أسفل الدرجات الداخلية، زينتها ثريا عملاقة امتلأت بآلاف الكرستالات المتلألأة في بريقٍ أخاذ.
- أيها السيد الأنيق، هل لي بنَصّك التعريفي؟
سمعت العبارة والتفت لمصدرها وإذ بي بشخصٍ أخر رفع يديه مرحباً هاشاً باشّا وهو يعرف بنفسه:
- أنا "مرتضى" جامع النصوص ومعرف الضيوف أرحب بك.
ابتسمت بدوري وأخرجت الكرت الذي كَتبتُ عليه تلك السطور وناولته قبل أن يلتقفه في لهفة ويقرأ ما كُتب فيه على عجل.
فَرك أسفل ذقنه وهمهم بصوت عالٍ:
- أنت "ش ـاهد" إذاً.
تعجبت من عبارته وهممت بالاستفسار قبل أن يهتف.
- معذرةً يا سيدي .. فلدي أوامر خاصة بشأنك.
وأشار لناحية باب ناصع البياض وهتف:
- من هنا يا سيدي، فقد طُلب مني اصطحابك لحجرة أخرى قبل أن تدخل القاعة الرئيسية.
لم أنبس ببنت شفة هذه المرة وتبعته بصمت.
فتح الباب برفق ودعاني للدخول قبل أن يقفله خلفي برفق أيضاً.

تأملت المكان لوهلة.
هي غرفة أنيقة ولا شك، لها طابع غرف القصور الملكية القديمة .. ذكرني أثاثاها وديكوراتها بما رأيته يوماً بـ ( قصر فرونتناس ) الشهير.
بنافذته الشاهقة الطول والتي بدا وأن الليلة الماطرة قد بدأت طقوس انهمارها الغاسل على زجاجها النظيف.

ثم ومع لمعة البرق الخاطف انتبهت للبدلة المعلقة.
اقتربت منها مستنيراً بضوء الحجرة الخافت وبعضاً من أنوار البرق البعيدة التي تسمح بدخوله زجاجات النافذة الواسعة.

كانت بدلة منسوجة من ( خيوط الموهير ) الفاخرة الناصعة كما بدى لي، والتي نقشت عليها الزخارف الإسبانية العريقة.

ثم لمحت كرتاً صغيراً مُدلى على البدلة، وحين تحققت منه كان مكتوباً علية بخط أنيق.
( خيوطها تليق بك )
https://www.up-9.com/image189240.html (https://www.up-9.com/) (https://www.up-9.com/)


فهمت حينها سر دخولي هذه الحجرة في نفس الوقت الذي جاءني هاتف من خارجها يقول:
- سيدي " ش ـاهد" تبقت 4 دقائق قبل الإعلان عند قدومك.
لم احتج إلا لثلاث دقائق بالضبط قبل أن أعيد ربط وشاحي حول رقبتي مع البدلة الجديدة وأشده برفق مستعيناً بالمرآة الكبيرة أمامي.
وعندما انتهيت فتحت الباب لأجد "مرتضى" واقفاً بانتظاري.

تقدمني ناحية باب القاعة وتوقف على عتبتها العالية ورفع ذلك الكرت الذي كنت قد أعطيته إياه عندما استقبلني أول الأمر.
ثم راح يقرأ ما كتبته بصوتٍ جهوري:

الصمتُ العاصفُ مِحبرتي
وحروفي يكتبها الحِرمان
وأرى الأيامَ بلا معنى
والأرض تُغادرها الشطآن
قد أُشعلُ يوماً أشرعتي
مُقتحماً بحر النسيان
قالت يوماً عرّافتنا:
ستموت وحيداً يا ولدي
بركانك لا يشبه بركان.!
قد يبرأ جرحكَ يا ولدي
لكنَّ القلبَ بلا رُبان
يا شَاهِدَ قَبرٍ محترقٍ
لا حرف هناك ولا أكفان
الدنيا حولك أبوابٌ
أو ظلمة صدرٍ مكتومٍ
يقتات بآهات الأحزان
فرددت عليها:
سيدتي
الدنيا حولي أبوابٌ؛
والسجن ُمليءٌ بالقضبان
الحزنُ يقلّمُ أطرافي؛
فأواري النبضَ بلا أكفان
الباب الحائر علّمني كتمَ الأحزان
سرقوا الشطآن؛
كسروا الجدران؛
الدنيا حولي أبوابٌ
أو ظُلمةَ ليلٍ يسرقني
يقتاتُ بآهاتِ السَجَّانْ

عندما انتهى
علا التصفيق وارتفع الترحيب قبل أن يشير لي "مرتضى"بنزول الدرجات الواسعة.
وهنا
ستعجز كلماتي عن وصف المكان.
لذلك.

من رأى منكم قاعات عصر النهضة وبالأخص تلك التي كانت بـ ( قصر فرساي ) الفرنسي سيفهم ماذا كنت سأقول ويُسَهّل عليّ عناء الوصف.
https://mrkzgulfup.com/uploads/158992481645971.jpg (https://mrkzgulfup.com/) (https://mrkzgulfup.com/)

هممتُ بالانغماس مع ديجور الأجساد التي تلبس البدل الفاخرة أو تتزين بالفساتين الباهظة.
وفجأة استوقفني هتاف من خلفي:
- اوووه "ش ـاهد" .. عزيزي "ش ـاهد"
التفت في سرعة لمصدر الصوت.

ياللعجب..
من جديد

.
.
.
.
يٌتبع

البنفسج
01-03-2021, 12:59 AM
لفائض الجمال الموشى به المتصفح
سأعود بما يليق لهذا الفردوس
وعبور أول

flll:

أحلام المصري
01-03-2021, 01:05 AM
مدينةٌ كاملة من جمال و إبداع
لا تكفيها قراءة أولى،
و المرور الأول فقط لإلقاء التحية
/
.
/
.
دمت وارفا المبدع شاهد قبر

تقديري

شاهد قبر
01-03-2021, 01:07 AM
:eek:

لفائض الجمال الموشى به المتصفح
سأعود بما يليق لهذا الفردوس
وعبور أول

flll:
- اوووه "ش ـاهد" .. عزيزي "ش ـاهد"

التفت في سرعة لمصدر الصوت.
ياللعجب..

احتجت لثانيتين لتعتاد عيناي على ما رأيت
ليس الجمال والحُسن فحسب ما صدما بصري حين استدرت بعد العبارة السابقة
وإنما - أيضاً - الكرستالات التي تغطي فستان صاحبة العبارة.
وذلك التاج الأبنوسي الذي تزين على رأسيها.

( بالله عليكم .. أسررت لكم بسر الآن .. فأستحلفكم بالله ألا تخبروها )

ثم رأيتها تتقدم مني هاشةً باشّة تخطو بثقة.

https://h.top4top.io/p_1832v0gwj1.jpg (https://top4top.io/)


وسأحاول وصف ابتسامتها لكم.
عندما ترون الضوء في صباحٍ بِكر يبتسم على بتلات زهرة شابة ستدركون ذلك الدفء العذري في بدايات النهار وستعرفون وصف تلك الابتسامة.

لملمت نفسي للحظة سريعاً
وأملت رأسي بترحاب هاتفاً ببطء:
- بشحمه ولحمة وبدلته الجديدة.

وانتبهت لوهلة لملامحها التي تغيرت في استغراب لثانية واحدة فقط قبل أن تهتف وهي تقترب أكثر:
- قال لي "مرتضى" أنك وصلت، فأحببت أن أكون أول المرحبين بك.

ابتسمت في امتنان وانتظرتها إلى أن وَقَفَت أمامي.
رفعت يدي في حركة أرستقراطية فاتحاً ذراعي الأيسر بنصف دائرة.
سريعاً ما أدخَلت يدها اليمنى لننزل بعدها الدرج في تؤدة وأنا أقول:
- أرجوا أن تغفر سيدتي الجميلة سوء أدبي وقلة حيلتي وجهلي .. أود أن أتشرف بمعرفتك.

أجابت دون أن تلتفت لي وهي تكمل النزول معي وقد رفعت قليلاً القماش الطويل في مقدمة فستانها الأبيض القمري:
- اسمي "بنفسج" يا "شاهد"
ابتسمت طارداً مجاملة تقليدية غزت عقلي آثرت عدم البوح بها واستبدلتها بسؤال آخر:
- هل تنتمين لهذا القصر يا سيدتي أو مدعوة للحفلة مثل معظمنا؟

توقفت مع آخر درجة من درجات النزول وابتسمت أكثر وهي ترمقني قائلة:
- ستعرف ذلك قريبا، أود أن أحتفظ بالإجابة.

همَّت بإكمال عبارتها ولكنها سكتت رافعة يدها وهي تنظر لجانبنا الأيمن.
التفت أنا الآخر بدوري ورأيت سيدة أخرى تبادلها التحية من بعيد فعرفت بأنها تنادي عليها.
وللحظة انتبه لتشابة اللبس بينهما والملامح القريبة:
ودار سؤال عن إمكانية أنهما قريبتان.
سرعان ما نفضت عني ذبك الهاجس.
ولكنني وجدتها تسحب ذراعها في رفق وتميل هامسة في أذني وتقول بلطف:
- استمتع بحضورك يا "شاهد".. سأعود لك ثانية.
ثم تحركت للخلف خطوتين دون أن تشيح ببصرها عني مكملة:
- وعلى فكرة .. أنا و"أحلام المصري" صديقتان ونتشارك نفس الاهتمامات يا "شاهد".

اتسعت عيناي في دهشة وأنا أسأل نفسي:
- اللعنة .. هل قرأت ما دار بخلدي؟

وسمعتها تهتف وهي تبتعد وقد اتسعت ابتسامتها أكثر:
- هناك أعمال عالقة سأهتم بها، أثناء ذلك استمتع بليلتك، وأؤكد لك بأنني سأعود لأجلك، هناك حديث أريد أن أناقشه معك.

قالتها وهي تغادرني على عجل وابتسامتها العذبة الكاشفة لأعماقي ترافقها.

ودعتها بناظريّ قبل أن أنقله إلى الحضور الذين للأسف لم ألمح فيهم أحداً أعرفه إلى الآن.

( بنفسج )
أملت جنبي لعمود رخامي بجواري واتكأت عليه وأنا أفكر بعمق وأخاطب نفسي ونطقت الاسم مرةً أخرى مستغرباً حيث بدا لي ولوهلة أنني قد سمعت أو قرأته في مكان ما.
لكن أين؟
ومتى؟
غارقاً في لجة تفكيري وجدتني رغماً ادندن مع نفسي:
أسئلة ..
والمعاني فِي صدورِ الخلق تبدو،
مذهلة ؟
أسئلة ..
والقطارات القديمة
في محطاتِ الحُلمِ فَرت مسرعة
أسئلة ..
كل ما في الليل سرٌ من خبايا الأقنعة
وبلادٌ كبلادي
تـاه فيها الحرفُ حيناً
فاق يوماً إثر صفع الأسئلة ..
أسئلة ..
كلُّ ما في القلبِ نبضٌ من وريد الأسئلة ..
أسئلة ..
يا لهذي الأسئلة !!
وكعادتي رحت أكرر العبارات مع نفسي لأحفظها أكثر..
وفجأة..
أفقت من حالة الانفصال تلك على أحدهم وقد ربت على كتفي دون سابق إنذار.
جفلت بغتة ويبدو أن ردة فعلي هذه قد أجفلت أيضاً الشخص الواقف خلفي
ثم ...
.
.
.
يُتبع

أنين ليل
01-03-2021, 01:26 AM
هطول عوسجي تلقى أحرفه من غسق النجمات
لي عودة تليق
,
/

شاهدة قبر
01-03-2021, 01:45 AM
https://g.top4top.io/p_1828du2m91.gif (https://top4top.io/)

احث الخطى نحو بهو القصر
عازمة على المغادرة على عجل.>

اراقب في توتر عقارب الساعة في يدي وهي تشير للحادية عشر والربع.
اصطدم من العجلة بكتف أحدهم.
اعتذر في ارتباك وانا اسمعه يتمتم في سخط.

أتعرقل بكعب سيدة ما أمامي.
أحاول ألا أسقط وأتحاشى النظر لملامحها الغاضبة.

تلك هي
درجات المغادرة
حسناً
سأقترب أكثر


و..




لعلي واهمة
قطعاً ليس هو

أعيد بصري ناحية الدرجات
لكن الفضول كقط انجليزي متشدق برتابته حملني على إعادة النظر لتلك الملامح

هي ذاتها ملامحه
يا إله السموات

نبضات قلبي بدأت تتعالى
معدلات الأدرينالين ارتفعت فجأة في دمي
وجدتني اقترب من صاحب ذلك الوجه رغماً عني

نسيت الخروج وسبب الخروج
وروحي وعقلي يدفعاني للاقتراب
لا يمكن أن أخطأ ذلك الوجه ولا تلك الملامح
يدي اليسرى ارتجفت بغتة ووجدتني أجبرها على أن تكون دعامةً لجسمي المرتجف وأنا أميل على الجدار القرمزي جواري

يقف مع السيدة التي رأيتها قبل ساعة تأمر الخدم في القاعة

يا الله

يستدير جهتي والسيدة التي إلى جواره يبدو أنها تشاور لواحدة أخرى في نهاية الردهة

استدرت انا الأخرى للجهة المقابلة
عليه ألا يراني
بل يجب ألا يراني

لم تعد يداي وحدهما اللتان ترتعشان
جسمي كله تحول لقالب ثلجي ورحت أنتفض بقوة
شريط الذكريات مزق عقلي
راحت ترتص كمشاهد سينمائية متلاحقة سريعة
ألف ألف شعور داخلني في ذات اللحظة
وتذكرته
كلماته
همساته
خلجاته
أنفاسه
لا يمكن أن تُخطأه عينياي
و روحي

و..

قلبي

لا أدري لماذا وكيف تذكرت موقفاً بعينه ذات يومٍ بارد
رفعت حقيبتي الصغيرة بيد لا تزال ترتجف، وفتحتها وقد أخرجت قصاصة صغيرة مخفية في جيبٍ سري.

كُنت قد فكرت وقررت في نفس الثانية
عقلي الباطن هو من يتولى زمام الأمور الآن
هو من يأمر قبلي وجوانحي في هذه اللحظات

ألمح السيدة التي إلى جواره تعود للخلف خطوتين
تقول شيئاً ثم تستدير لتنصرف عنه
ها هو ذا يمشي ناحيتي
يا إله السموات
سيتعرف عليَّ إن رآني
يجب أن أختبئ أولا

حمد الله
يبدو أنه غارق في التفكير
أراه يتكئ على أحد الأعمدة الركامية
سأتصرف في سرعة
وجدتها
- سيدتي .. سيدتي
ناديت السيدة الأنيقة التي تعبر أمامي
التَفَتَت لي في استغراب فبادرتها هامسة دون مقدمات:
- هل لسيدة مسكينة مثلي أن تطلب منكِ معروفاً أيتها الجميلة؟
ابتسمت في رفق وأومأ برأسها في إيجاب قبل أن أكمل:
- يوجد شخص يتكئ على العمود هناك.

ومشيرةً حيث أعني أكملت:
- أرجو أن تحملي له هذه القصاصة وتعطيها له
وفي سرعة ودون أن اعطيها فرصة للاستفسار
ناولتها القصاصة الصغيرة وأنا أسألها بحروف مرتعشة:
- أريد أن أعرف اسم السيدة التي أدين لها بالفضل

ابتسمت في ترحاب وهي تهتف"
- "أنين" .. اسمي "أنين الصمت"

- شكراً لك يا جميلة .. هو معروف لن أنساه ما حييت.

ثم اختبأت بين الحضور وأنا اراقبها من بعيد تقترب منه وتربت على كتفه
جفِلَا معاً .. ورأيته يأخذ القصاصة في عدم فهم
ثم
.
.
لحظتها
شعرت وكأن الدنيا تلف بي

فجلست على الاريكة الكونرادية المذهبة خلفي وعقلي يسترجع تلك الأيام
وتذكرت فجأة كلمات كتبتها له يوماً
ووجدت سطورها تهاجم عقلي وروحي بغتة



سأرحلُ في الفجرِ مثل اليمامْ
وأهربُ منكَ إليكَ معاً
أحبكَ صدراً تواريتُ فيه
عن الخلقِ يوم انقضاضِ المحنْ
فقد عشتُ يوماً بحلمٍ كبير
وآهٍ من العشقِ يوم الفتنْ
يهونُ مع القربِ قهر الأماني
فما كان في القلبِ عشقٌ سواكَ
وقد عاش في مقلتيكَ الحنينْ
وتاه على شفتيكَ الزمنْ
يقولون عنكَ كلاماً كثيراً
وهل بالكلامِ يموت الشجنْ ؟


تعال أحبكَ قبل المماتِ
فحُبكَ عندي كحبّ الوطنْ









هممت بالنهوض
لكن



مهلاً ...!!

فهمي السيد
01-03-2021, 01:48 AM
شاهد قبر
مواسم الجمال اينعت
وتفرعت في مقلتي المحال
اراك تختال على ابواب البوح
تمتلك سحر المدائن
وانا هنا انحني لاستقبالك
مرحبا قدومك ايها المدرار
متابع لهكذا جمال
محبتي

هادي علي مدخلي
01-03-2021, 03:20 AM
شاهد قبر
نركض إلى هذا المتصفح
وأبواب دهشتنا مُشرعٌة على مصراعيها
هنا مما وجدت من حيرةٍ مطرزة بالجنون فكان نتاجها
تساؤلات نُسجت بخيوط الروعة
إلى أين سوف يأخذنا شاهد قبر
ومازلنا نحاول أن نفك رموز شاهد قبر
حتى أطلت علينا شريكة الرقص
شاهدة قبر ومناداتها العذبة الشجية
استطعت يا صديقي ببراعة
أن تُفجر عيون المشاعر الرقيقة التي استوقفتني
كلنا ننتظر في شغف
فنحنُ في مدائن البوح
حيثٌ سقف الابداع لا حدود له

نبض وريد
01-03-2021, 04:13 AM
عند النهاية
ابتسامة
شهقة حالمة
و الأسرع
الى أول حرفٍ
للاستمتاع بالقراءة
من جديد
نعم ..
هي دعوة للرقص
سأكون هنا دوماً
رائعة حروفك و أكثر
و أكثر وأكثر
كل الود

الحكيم
01-03-2021, 06:12 AM
شاهد قبر
وكيف لنا أن نعتد
بما نكتب بعد اليوم
لله درك من شاعر وكاتب وراقص
تزرع لنا بذور الجمال دائما
صاحب فكر وشاعر مر صعب المراس
تعرف كيف يكون الشعر والجمال والحرف والرقص
تأخذنا حيث الصهيل فنبتسم للرقي والادب والفكر
الرقص يختال جمال وانتقاء حروف راقية برقتك
وفي متابعة حتى النهاية
وسنعود مرات ومرات
ياسمين لك وكل النجوم
احترامي ، وتقديري
مع تحياتي

عابرة
01-03-2021, 08:59 AM
أصابعي مَبتورة
تعجز نظم قصيدة
تليق بهذا الرقص المعتق.

شاهد قبر

تطوف البحرَ بمجداف
و تحملنا على بساط السحر


هل من عقل ستترك لنا
ترفق بنا ترفق

صعب تقليدك ومجاراتك

والاعترافُ بالعجز هنا قوةٌ ..
وشجاعةٌ ، قرأت فانتشيت ..
لقلبك شكرا كبيرة
سأكون حيث يكون حرفك

احمد الحلو
01-03-2021, 12:48 PM
رقص وجنون واحتمالات الجمال بسقف مرتفع

حين يتراءى لنا في عالم موازٍ لعالم نحياه

وجوه نعتاد بشاشتها و نؤمن من ملامحها

أن هناك مساحات أكبر يمكن للذات أن تجد فيها مقصدها

حين نجد أنّ ذواتنا لا تقف على مشارف الوحدة

لكنها تتقاسم بعض من الحلم مع ذات شبيهة بها مُنهكة

و تسعى سعياً حثيثاً وراء فجر جديد.

شاهد سيدي العزيز

كلما شاهدتك هنا .. كلما تنفست الصعداء

و شددت من أزر حرفي و أخبرته بإبتسامة " رائعة "

باننا سنرى الافضل والارقى وقلم لا يُضاهى احسنت

يُقيم مع تقديري

سوسنة حلوة

احمد الحلو

الصولجان
01-03-2021, 04:05 PM
..


يبدو هنا كُل ما قرأته كلاسيك ..
لا اتوقع مني سوى التعمق بالخيال
المرسوم هنا سطر سطر ..

ما ابدع محبرتك التي رسمت الإبداع
بتفاصيل مميزة .. اثرت رغبتي لـ قرأتها مجدداً
بدقة ..

ولكن احتاج لكوب قهوة ..
واصل ولك التقيم والشكر ..

نوران العماري
01-04-2021, 12:44 AM
السطور وحرفا
تناثر ك الدرر يعانق سماء
المجد ما ابهاك سيد الحرف
الانيق نص مفعم
بالجمال ك سمفونية اطربت
الروح قبل ان تقرأها العيون
يا جمال ما صاغته اناملك
تفرد في انسكاب الحرف عبيرا
واوتار من قيثارة الخلود لحنتها سطورك
سلمت الايادي
لهذا الحروف
المفعم بالجمال
لروحكم باقات الامنيات
مودتي وتقديري

إحساس السكون
01-04-2021, 11:27 AM
شاهد قبر
أنت كاتب
تبنى كل النبوءات
ونامت بكفيه الشمس ،
ومانحنُ إلا حيارى
بين سطوره
التي جعلتنا
نحلق في سماء بلا أجنحة
قلمك المطرز بالفل والكاذي
مغموس في شهقات اللون العاشر
ومنقوع في خمر الأبجدية بحس سابع
قبلة تنمو في جوف قلبك
والله ثم والله لم أشاهد مثل شاهد ..

البنفسج
01-04-2021, 07:00 PM
؛

وفي كل قاع
نكون لشاهدِ قبرٍ جياع
/
تزرع خطوة مع كل دعوة
تنبت قِصة ..
أنا أي لحن وفيك الرقصة !
أنا أي رتمٍ هناك أرصه !
أنا من أنا حين أقرأ حرفك
أصاب بدهشة
وتنتاب أيدي الجمال هناك
سكونٌ ورعشة
يضج خيالي
ويرشح بالغيم نصاً وفكرة
كأن الحروف هنا من غزال
رشيقةُ قدٍ ثمينة فُرصة
أيا شاهد الحرف دعنا نقول
بأن الهوى لم يصبه الذبول
وأنت تَقُصه
وأنت تعانق جيد الغناء
نصب على الصوت وردا وماء
تطيب حناجر بعض الجروح
في كل روح
من كل غصة ..
هذي البنفسج
تلقي العبير على فن شاهد
كما حال نَصّه


flll:flll:flll:

شاهد قبر
01-07-2021, 01:12 AM
مدينةٌ كاملة من جمال و إبداع
لا تكفيها قراءة أولى،
و المرور الأول فقط لإلقاء التحية
/
.
/
.
دمت وارفا المبدع شاهد قبر
تقديري
.

.
.
تعرفون - بالطبع - ذلك الشعور الصاعق عندما يكون أحدكم غارقاً في لجة تفكيره، منفصلاً تماماً عن الموجودات من حوله.

ثم ..
يصدم انتباهه فجأة ما يشبه الشاحنة المسرعة ليخرج بغتة وفي دفعة واحدة من تلك الحالة.
شعورٌ هو أشبه بسريان تيار كهربائي كقشعريرة متحمسة تهاجم جهازك العصبي.

جفلتُ في قوة وانا التفت لمقتحم خلوتي المؤقتة والذي – على ما يبدو – قد أصابه الهلع أكثر مني.

وفي الحقيقة ..
كانت ( مقتحمة ) لو شئتم الدقة.

كيانٌ رقيق وجدته يقف أمامي مغمض العينين منكمش على نفسه في خوف داخل فستان سهرة أبيض.
ارتبكت لوهلة وأنا أراها ترتجف كعصفورة بللها المطر.
أسقط في يدي في الحقيقة، وودت لو أجد سبيلاً لأعتذر عن ردة فعلي المفاجأة.
ووجدت صوتها الناعم المرتجف يخرج من خلف كفيها المتجاوران اللذان يغطيان وجهها ,وهي لم تتخلص من جفولها بعد:
- آسفة .. آسفة بحق يا سيدي.

مضت هُنَيَّة قصيرة من الزمن قبل أن يبدو عليها أنها قد تجاوزت الموقف أو لعلها أشفقت عليّ وأنا فيما يشبه الواجم، توقف عقلي لبرهة عن اتخاذ أي موقف مناسب للاعتذار، حيث بدأت تفتح انقباض كفيها على ملامحها ثم بدت تلك الملامح ترتسم عبر المستشعرات البصرية على حدقتا عيناي المشدوهتان لبشرتها المتلألئة تحت كرستالات الثريا الكبيرة التي نقف تحتها تقريباً.

https://j.top4top.io/p_1832v0dtk1.jpg (https://top4top.io/)



ثم بدأت تبتسم..
وأخذت مشدوهاً أراقب - وكأنه عرض سينمائي مُبَطأ - تلك الابتسامة التي بدت وكأنها لا تزال متأثرة بالموقف السابق والتي تحاول رسمها بود وصدق على مركز وجهها السفلي.

ابتسمت أنا بدوري في سرعة وارتباك، وهممت بالاعتذار وإن لم أجمع الكلمات المناسبة لذلك بعد، ولكنني تفاجأت بها تسبقني الحديث لتردف بسرعة:
- أعتذر يا سيدي بحق. لم أشأ أن أفزعك.

نفضت عن نفسي تأثير ربكة الموقف نهائياً وأجبتها وابتسامتي تتسع أكثر:
- لا عليك يا آنسة، أنا من توجب عليه الاعتذار أولاً للمبالغة في ردة فعلي.
ثم هزّت رأسها بالنفي وهو تقول وهي لا تزال تحتفظ بتلك الابتسامة الودود:
- لا عليك .. كان يتوجب عليّ أن ألفت انتباهك بطريقة أخرى.

اقتربت منها خطوة أكثر وأنا أهتف في ترحاب:
- أعتقد أنك "أحلام المصري"؟
أومأت برأسها في إيجاب وهي ترد:
- هذا صحيح .. لعل "البنفسج" قد أخبرتك بذلك!
هززت لها رأسي في رفق بالإيجاب وهي تكمل:
- وأنت هو "ش ـاهد" .. قد سمعت "البنفسج" تنادي عليك بذلك الاسم منذ قليل.

أجبتها قائلاً:
- هو ذا بشحمه ولحمه ونصوصه.
تبادلنا ضحكة خفيفة لم تتجاوز مقامنا وإذ بصوت الموسيقى قد بدأ يتعالى تدريجياً في القاعة الواسعة المليئة بالحضور.
وارتفع التصفيق مع ارتفاع رتم الموسيقى قبل ان ابتسم هاتفاً بمرافقتي وسائلاً إياها:
- هل تعرفين هذا الإيقاع؟
- يوهان بابتيست شتراوس..
قالتها وهي تضحك في خبث العارفين ببواطن الأمور، قبل أن أبادلها الضحك بدوري وأنا أهتف:
- بهذا ولا شك .. سأقسم بأنكِ خبيرة بـ ( رقصة الفالس ) إذاً.
هزت رأسها في ثقة وهي تهتف:
- لعلك تريد أن تجرب؟!
ابتسمت أكثر وأنا أجيب:
- أنا أحذرك .. ما أسمعه الآن ليس إيقاع الفالس النمساوي المرح السريع، وإنما هو الإنجليزي الرتيب البطيء الممل الخانق الضَجِر السئيم.

غمضت بعينها اليمنى وهي تبتسم قائلة:
- لا أضنك يا "ش ـاهد" مُضجر لدرجة أن تجعلني أنام وأنا أرقص معك.
ارتفعت ضحكتي هذه المرة وأنا أرد:
- قد حذرتك.

ثم اِلْتَقَطتُ كفها في سرعة وأنا أقودها للمكان الذي اجتمع فيه الفتيات، وأجلستها على أحد المقاعد قبل أن أعود لأقف مع طابور الراقصين الرجال المنتظرين لبدأ الرقصة الفعلي.

أجلستها إلى المقعد الذي على يميني، قبالة الراقص الآخر.
ثم وقفت أمام جارتها وقد لمحت ابتسامتها بطرف عيني تلك التي لم تزل تنير ملامحها.

ثم بدأ كل شيء.

https://i.top4top.io/p_1833rvcrg2.jpg (https://top4top.io/)


ذلك انني أنهضتُ الراقصة الأخرى أمامي كما فعل المشاركون، ممسكا بيدها اليسرى قبل أن يتحرك الجميع في أزواج لنشكل حلقة كبيرة.
عندما اكتملت حلقة الراقصين.

شبكت يداي خلف ظهري استعداداً لبدء الجنون في ذات اللحظة التي رَفَعَتْ مرافقتي ذراعيها قليلاً كما فعل الجميع.
انحنيتُ نصف انحناءة من جديد قبالتها قبل أن ترتكز على مقدمة قدمها اليمنى رافعة جسمها لأعلى ومنحنية هي الأخرى مرفرفة بذراعيها نصف حركة.
ثم رفعنا رأسنا في ذات اللحظة واقتربت منها والابتسامة تنم عن مدى اعجابي بسلاسة حركتها منذ البداية.

ساندةً كفها الأيسر على جانب كتفي الأيمن، حملت أنا راحة كفها الأيمن على كفي الأيسر.

https://b.top4top.io/p_1833nybld5.jpg (https://top4top.io/)


ابتدأنا الدوران الأول بالاعتماد على حركة قدمي اليسرى.
فثانية.
فثالثة.
ثم أملت جذعها معي ناحية يسارها رافعا ذراعها الأيمن للأعلى.
فاعتدال.
فدوران آخر.
أتبعناه بثاني.
فثالث.

ثم انحناءة جذع تشبه الأولى قبل أن نجاري الإيقاع وتلتقي الأكف وتمتد أمام كل منا بشكل عرضي.
أرفع ذراعها الأيمن لأضعه على ذراعها لأيسر.

ثم ألقيت نظرة على "أحلام المصري" والراقص الآخر يستعد لتسليمها لي في الجزء الثاني من الرقصة.

نظرت لها وسمعتها تهمس:
- أمستعد؟
أجبتها مبتسماً في ثقة:
- تعالي لتجربي حظك.

ومع الإيقاع التالي دارت دورة كاملة وأنا أمد كفي الأيمن ليلتقف كفها الأيسر في نفس الوقت الذي سلمت راقصتي الأولي لشريكها التالي.

https://h.top4top.io/p_1833w3eyl1.gif (https://top4top.io/)


ثم نصف دورة.
فانحناءة على جذعها الأيسر.
( فصلة )
( إيقاع آخر )
تأرجح لليمين فاليسار على إيقاع جديد.

كفها الأيسر يقبض على كتفي الأيمن.
ذراعي اليسرى المدودة تحمل كفي كفها الأيمن.
ثم بدأ الدوران بإيقاع أسرع.
ميلان.
دوران لليمين.
دوران عكسي.
وفي كل دوران كنا هذه المرة ننتقل لمكان الفريق التالي.

أرفع كفها الأيمن وأحرر يدي اليمنى أنا الآخر لأسمح لها لأن تدور حول نفسها قبل أن تقابلني من جديد.

تكرار
انتقال
تكرار
انتقال
تغيير إيقاع
ميلان بالارتكاز على قدمي الأيسر.

رفعت ذراعها الأيمن للسماح لها بالدوران حول نفسها من جديد.
ميلان.
فدوران لليمين.
ثم دوران عكسي.
فتكرار
فانتقال
فتكرار
فانتقال
فتكرار استمر تقريباً لدقائق ثلاث كاملة وابتسامتها لم تفارقها

تتشابك الأيدي هذه المره مع تغير الإيقاع
وتباعد والأكف متشابكة
تقارب
فتباعد
ثم عودة للدوران فتبديل للأمكنة أثناء الرقص مع الفرق الأخرى.

إلى أن وصلنا لمرحلة دارت فيها لوحدها لتبتعد خمس خطوات كاملة.
أتبعها بذات الكيفية إلى أن أصل قبالتها.
تكرار للخطوات السابقة
فتبديل أمكنة

هذا المرة تم تشكيل ما يشبه علامة الزائد.
فدوران قطري للجهة الأخرى من العلامة.
ثم دار كل راقص حول شريكته، ثمسمعتها تهتف والأذرع منفصلة هذه المرة:
سمعتها تهتف:
- أمستعد؟
ضحكت وأنا أرد:
- إجابتي نفسها لذات سؤالك.

ثم تغير الإيقاع إيذاناً لأن يرفع كل راقص شريكته عالياً
في هذه اللحظة انفلت وشاحي من حول رقبتي وسقط على أرضية الرقص.
لم ألتفت لذلك وتابعت الرقصة وقد هتفت:
- وشاحك يا "ش ـاهد" !
- لن أفلتك الآن وأدعو الله أن لا يتعرقل به الراقصين خلفي.
ثم أكملتُ في في خبث:
- أم تراكِ تريدينني ان أتوقف لألتقطه، ولكنني سأعتبرك مهزومة في هذه الحالة.

تابَعَت الدوران وهي تهمس:
- كما تريد ..
مالت لليسار قليلاً وهي تكمل:
- لا زلت تجاريني فحاول أن تتقن رقصتك أكثر.
ضحكت وأنا أرفعها لأعلى قبل أن تهبط وقد ثنت ركبتيها بمرونة مجيباً:
- آمنت ببراعتك فلا تقلقي.
هَتَفَت وهي تختلس النظر خلف كتفي:
- تلك "أنين الليل" قد اخذت وشاحك وأبعدته عن الراقصين فلا تقلق.
- شكراً لها مقدماً.
دوران.
ميلان.

https://j.top4top.io/p_1833c9tfe3.jpg (https://top4top.io/)


خطوتين للخلف.

- "ش ـاهد"!!
أجبتها وأنا أرفع ذراعها الأيمن لتدور حول نفسها من جديد :
- طوع إشارتك.
- أتسمح لي بسؤال؟
عودة للخلف فإمالة لليسار.
- حتى يرتوي فضولك.
سكَتَت برهة وهي تسمح لي بدفعها للخلف قبل أن تعتدل هامسة:
- هل كانت تستحق؟
سحبت يدها اليمنى وباعدت بين ذراعها وكتفي قبل أن تدور معي في انتقالة جديدة ومستغرباً سألتها:
- لم أفهم!!
كانها ترددت قليلاً ولكنها هتفت وهي تتراجع للخلق خطوتين طويلتين:
- في ( بـوح وَبعض ظخاء ).. أقصد تلك التي منحتَهَا المطر!

سحبتها للأمام وأملتها يساراً وقد فهمت ما تقصد:
- قصة قديمة يا "أحلام" أعتذر عن سردها.
شعرت وكأن ملامحها قد تغيرت لثانية قبل أن تبتسم وهي تهتف وقد دارت حول نفسها:
- هو فضول العاشقين للبوح أكثر.

https://l.top4top.io/p_1833zv9aq4.jpg (https://top4top.io/)


وفي سرعة قلت وقد فردت لها ذراعي الأيمن لتبتعد وأنا لا زلت أمسك بكفها الأيمن قبل أنت ترفع ذراعها الأيمن وقد أعدت كفي الأيسر لخلف ظهري جابراً جذعها على الدوران الإيقاعي:
- ولكنني يا "أحلام" سأسمعك بعض السطور .. لعلي أروي قليلاً من عطش العاشقين للبوح.
تميل لليسار قليلاً قبل أنت تعتدل وتنظر لعيني مباشرة وهي تهمس هذه المرة:
- لا عليك يا "ش ـاهد" .. فأنا أعرف أن بعض الأضلاع أسوارها تنافس ( سجن ألكتراز ) بنفسه.
- عن طيب خاطر .. لا تقلقي.

خطوتين للخلف ثم بدأت البوح:

من قال إنّ الحـــرف يصنـــــعُ ربّـــــه؟
من قال إنّ الشمس تغتالُ القمر؟
سَنظل نسلكُ في الحيــاةِ دروبنـــا
ونظل نَمضـــــي للحنيــــن بلا حُفـــــرْ
كالليل يدفن فـي الصبــــاحِ أنينــــه
وغذاؤنا الكلمات، أو لحــن الـــوتـــرْ
الحــــرف ما أحـــــلاه عنــــدَ غِنـــــائــــه
الليل يقهر بالظلامِ عَمــى البشـرْ
قالـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــوا :
- بــــأنّ الله يستــــــــــــر ضعفنـــــــــــــا
لكـــــنّ فينـــــا مـــن تنكّـــــر أو غَـــدرْ
ودعوت ربـــي فـــــي خَفـــــاءٍ مــــرةً
ألا يفـــــرقنـــا المكــــان أو القــــدرْ
العمرُ ما أحلاه فــي عهـد الربيــع
كيف الربيعُ اليوم يغتـال البشــرْ؟
حتــــى الأغانـي الحــائرات توقفـت
بين الحناجـرِ أسكتـت ذاكَ الضجـرْ
اليــوم أشعــر بالوميـضْ إذا خبـــا
أَكَلَ الظـلام بريقـه خلـف الشجـرْ
من تاه مِنّا يا حبيبـي، قـد نسـى
أن العلاقة، نِصفها فَهم البشرْ
فَافْهَــم حبيبـك يــا خليلـي كلمـا
مُلِئَت بِروثِ الظّنِ أحـدَاقَ البشـرْ

دوران
إمالة

ثم توقفت فجأة عن الرقص.

لم تنبس ببنت شفة ولم تعلق على توقفي المفاجئ.
بل على العكس تماماً
فقد احتضنت كفي وقادتني لطرف القاعة في صمت.

نظرت لها متأسفاً وبدا لي وكأنني قد قاطعت استمتاعها بلحظة الرقص تلك وقلت في خفوت:
- أعترف أنك بارعة وقد انهزمت أمام الليلة و...
أسكتت كلماتي بوضع يدها على شفتي وهو تهمس:
- فقط .. لا تنسَ يا "ش ـاهد" .. كلانا ينتمي ( لسحر المدائن ) وأنا أحمل ذات نسخة المفتاح التي معك ومع الجميع.. أريد أن تعرف، أننا هنا نساند بعضنا البعض.

ثم أنزلت أناملها وهي تتابع بذات النبرة الدافئة:
- ألم تكتب يوما في ملاذ حرفك التاسع والعشرون
This dawn leaves us
For silence that does not comfort us

- دع الصمت للفجر إذاً .. وحتماً سيتكفل الصباح بالباقي.
ابتسمتُ هذه المرة لها وأنا أقول:
- لكلماتك أثر البلسم يا ابنة النيل.

ارتفعت ضحكتها البسيطة وقد بدأت تتحرك ناحية البهو الكبير قبالة القاعة:
- الآن أتركك أيها الراقص المهزوم .. لقد تأخرت عن "البنفسج".. سألتقيك مرة أخرى وتذكر يا "ش ـاهد" بأن العهودَ ليست دائماً كالغمامْ، تُغادرُ عِندَ انقضاءِ المطرْ كما كتبت ذات مرة.

رفعت كفها في تحية وهي تكمل:
- الغمام يا "ش ـاهد" قد يأتي أحياناً بمطر الحَيا الذي حين ينقضي سيحيي الأرض التي سقاها بعد الموت.. ألا يبدو هذا مألوفاً؟
ابتسمت وهي تكمل وصوتها يذوي:
- أليس كذلك يا "شاهد قبر" ؟!

زفرت زفرة صغيرة وأنا أغمغم وقد أنزلت يدي بعد أن ودعتها:
- يا لهذه الليلة .. "بنفسج" و"أحلام المصري" يبدو وكأنهما تماماً كعيني "راسبوتين" ذاته .. كم اخترقتا في دقائق حواجز اعتقدت أن اجتيازها أمراً مستحيلاً.

استدرت للخلف عازماً على اكتشاف القصر قبل انتصاف الليلة.

ثم

رأيت وشاحي يهاجم وجهي بغتة.

ولكن هذه حكاية أخرى

سأرويها لاحقاً

.
.
.
يتبع


شاهد قبر
01-07-2021, 02:21 AM
:eek:

هطول عوسجي تلقى أحرفه من غسق النجمات
لي عودة تليق
,
/


في البداية.
الخطأ هو خطأي في الحقيقة.
فقد تحركت بشكل مفاجئ ودرت على عقبي عازماً على التحرك قبل أن تظهر الفتاة منقذة وشاحي من أقدام الراقصين.

https://h.top4top.io/p_1832h5db31.jpg (https://top4top.io/)


حككت ما خلف رأسي وقلت لها وقد عادت خطوة للوراء:
- " أنين الليل" كما أظن!
أومأت برأسها بالإيجاب قبل أن تهتف:
- لعلك "ش ـاهد"؟
- بشحمه ولحمه ونصوصه.
وابتسمت عندما تذكرت أنني قد قلت ذات الجملة سابقاً.
- ترقصان بشكل متناسق وجذاب.
- هما عيناك يا سيدتي هي ما ترى الوجود جميلاً
غزى محياها بعض الخجل وهي تقول:
- تعرف .. مدائن البوح هذه غريبه.
-
رفعت أحد حاجباي، ولكنها لم تمهلني لأستفسر منها إذ أكملت في سرعة:
- عندما يعتقد أحدنا أنه قدر قرأ كل ما يخطر بذاكرة الشغاف، يكتشف أن هناك دائماً المزيد، هل مررت على ترنيمة "فهمي السيد" الجديدة بعنوان (سيدة الفصول).
فركت هذه المرة أسفل ذقني وأنا أقول:
- للأسف .. فالوقت يقاتلني دوماً وينتصر كلما حاولت المكوث في روابي ( سحر المدائن )، ولكن ما الرابط؟
زفرت قبل أن تجاوب:
- لا شيء ذي صلة كبيرة سوى أنني تذكرت الوجع الذي ينقلنا ما بين موت وحياة، وماء الشعر والشعور، وهذا البنفسج الذي يرفض الذبول، هو فصل لاستعطاف السماء، علها تحنو علينا بقطرة حياة.

ثم صمتت قليلاً قبل أن تتابع:
- رأيته قبل قليل وسط الحضور وتذكرت تلك السطور تحديداً في ذات اللحظة التي ربطتها بما كتبت سابقاً
ثم راحت تردد:

القَلبُ عَاشَ عَلى الطَّرِيقِ
كَمَا يَعيشُ الأشقِيَاءْ

والحُبُّ أصبَحَ لحظَةً
تَاهتْ بِضلعِ الكبرِيَاءْ

والنَاسُ تَبحَثُ فِي حُروفِي
عَن ضَوء قِندِيلٍ
عَن ضِيَاءٍ أو دَواءْ

آهٍ مِن الدمعِ المُسَافِرِ
فِي قِطَارَاتِ المَسَاءْ

آهٍ مِن النُورِ المُقَاتِلِ
ضِدَّ جَيشٍ مِن ظِلالِ الأدعِيَاءْ


- هناك يا "ش ـاهد" ألق ما دائماً يضيئ للحظة دواخلنا، ولكن بانطفائه نعود لأرض الواقع بغتة مخلفين ورائنا أملاً لا يعرف الديمومة.
هممت بالتعقيب كوني بدأت أستصيغ جداً هذا الحوار

ولكنها شهقت فجأة وكأنها قد تذكرت شيئاً مهماً بغتة.
وراحت تتفحص ما تحمله بكفها الأيمن قبل أن تمد ناحيتي ما يشبه القصاصة الصغيرة وهو تقول:
- هذه رسالة عاجلة من إحداهن كدت أن أنسى سبب قدومي ناحيتك من الأصل.
تأملت تلك القصاصة بين أناملها وأنا أرمق كفها وما تحمله بشيء من الاستغراب وأسألها في تعجب:
- ما معنى هذا يا آنسة ...

وقَطَعَت جملتي عن عمد بطريقة معينة انتبهت لها في سرعة وهو تهتف وقد ارتبكت لوهلة قائلة وقد مدت يدها طلباً للمصافحة:
- اعذر سهوي فلقد انساني الموقف أن أقدّم نفسي.

أُسقط - فجأة - في يدي .. فلقد بَتَرْتُ رفع يدي لمصافحتها وسحبتها لخلف ظهري عندما انتبهت أنها لم تكن تنوي المصافحة في الأصل، وإنما أمالت رأسها للأمام بانحناءة بسيطة وقد رفعت يدها اليمنى لما فوق مستوى رأسها في نفس الوقت الذي رفعت - أيضاً - طرف فستان سهرتها قليلاً بيدها اليسرى وقد ثنت ركبتها اليمنى للأمام في ذات الوقت الذي أرجعت قدمها اليسرى للخلف.
وفوراً قبل أن تنهي تسلسل ترحيبها – المتأخر - الفاخر، كنت بدوري قد نصبت طولي أكثر ورفعت ذقني قليلاً وضممت ما بين كعبيّ لبعضهما في نفس الوقت الذي التقفت فيه كفها الحر قبل أن أميل ظهره ناحيتي وانحني قليلاً وأطبع قبلة ترحيب أنا الآخر عليه لأسمعها تهتف وقد انهت وضعيتها:
- "أنين الليل" مرة أخرى أعرفك بنفسي من جديد.
ساعدتها على الانتصاب هي الأخرى وأنا لا أزال محتفظاً بوقفتي:
- هكذا إذاً .. سأجاريك

وابتسمت وأنا أهتف:
- "ش ـاهد" في خدمتك أيتها الآنسة اللطيفة المرحة.

ضحكت في خفوت هذه المرة وقد بدأت تسحب اناملها برفق قبل أن تلاصق باطني كفيها أمام صدرها وتبتسم وهي تقول:
- المهم .. أنت ذلك الشخص الذي يسكن أطراف مدينتنا والذي يفضل التواري دائماً.

وأردفت مكملة:
- لكننا جميعاً نسمع النصوص التي يتناقلها الناس بين الفينة والأخرى
- بلحمه وشحمه ونصوصه.
قلتها وانا أضحك من نفسي هذه المرة في حرج لسببين، أولهما أن ترديد هذه الجملة للمرة الثالثة أصبح تكراراً لا يمت لخفة الدم والروح بصلة.
وثانيهما أن المقربين مني ( وهم قلة للأسف ) يعرفون أنني شبه انطوائي بالفعل ولا تصلني دائماً آراء الآخرين عني لسوء التواصل وهشاشة الحاسة الاجتماعية.

ثم رأيتها تقترب مني وتسأل في ألفة الأصدقاء:
- حسناً يا هذا .. ألن تشبع الفضول المتأصل في معظم إناث الكرة الأرضية، وتخبرني بفحوى السطور الغامضة.

ارتبكت هذه المرة في الحقيقة وقد تذكرت بالفعل تلك البطاقة الصغيرة التي أخذتها منها.
قلبتها وقد تحاشيت النظر للسيدة أمامي.
فقد شعرت لوهلة وكأنها ترتدي نظارات كاشفة للمستور فخشيت فعلاً أن تنتبه للتوتر اللحظي الذي أصابني.

في الثانيتين التاليتين وأنا أقلب القصاصة اختفى في الحقيقة كل ذلك التوتر وحل بدله الغرابة والتعجب.
فما كتب هذه السطور أنامل رقيقة مرتجفة.
هذا ما رأيته في البداية.
ورحت أقرأ.
وقلبي يدق في سرعة.

هذا الخط!!
هذه الطريقة في ترتيب السطور!!
ورحت أتابع القراءة.
وكأن ما بين ضلوعي قد احتوى اعصاراً بعظمة وقوة إعصار باتريشيا نفسه.
وأقرأ.
وأقرأ.
حتى همدت عيناي وتوقفتا عند اخر سطر.
وكقنديل متحمس اضاء كل ذكرياتي في مكان ما فجأة دفعة واحدة.

هتفت دون وعي بصوت مرتفع:
- أين! .. أين هي؟
انتبهت أن تصرفي كان غير لائق عندما لاحظت امتقاع وجه السيدة أمامي وأن بعض الحضور من حولي أوقفوا حواراتهم وراحوا يطالعونني باستغراب.

السيدة أمامي ارتبكت هي الأخرى ولم تنبس ببنت شفه وهي ترمقني بنظرة الاستغراب.
اقتربت منها وانا اهتف في خفوت:
- اعتذر .. صدقاً أعتذر .. بالله دليني على من كتبت هذه الأسطر.

لم تجاوبني بالبداية وإنما أشارت لأريكة كونرادية مذهبة على بعد مسافة تربو على الأمتار العشر وهي تردد:
- هناك .. السيدة ذات الفستان الأزرق هناك.
- أين؟ .. بالله عليك أين ؟ فأنا لا أرى أي فساتين زرقاء حيث تشيرين.

انتبهت على هتافي الأخير والتفت حيث تشير ثم هتفت:
- أقسم أنها كانت هناك حيث استوقفتني وكتب هذه السطور وطلبت مني إعطائها لك.
التفت للمرة الثانية للمكان الذي أشارت له وسألتها في لهفة:
- كيف تبدو تلك السيدة؟ بالله عليك اخبريني .. كيف هو شكلها .. كيف هي صحتها ؟

ارتبكت المسكينة وهي ترد:
- صدقني يا سيدي كانت تجلس هناك بثوبها اللازوردي الأزرق.

- وكيف تبدو .. أشعرها كلون خيوط الشمس.
هزت رأسها وهي تهتف:
- هو كذلك بالفعل.


رحت أجول ببصري في القاعة.
لا أراها.
لا أرى شقراء في ثوب لا زردي أزرق.
ثم سمعت السيدة إلى جواري تهتف مكملة وهي تراقبني في فضول المشفقين:
- فستان سهرتها جميل في بساطته، أزرق سماوي مريح في لونه، وتزينه بعض فراشات صغيرة على أعلى الصدر، ومتلألأ كما ألف لؤلؤة في جوف محارة.
أين؟
أين؟
أين هي؟

رحت اردد في صمت وعيناي تحاولان اختراق الجمادات وأجساد البشر أمامي.







ثم..


رأيتها تركض بعيداً هناك عند نهاية أحد الممرات.


https://j.top4top.io/m_1832iqo1w1.mp4



التفت للسيدة جواري في سرعة وهتفت وأنا قد بدأت التحرك فعلياً للحاق بذات الفستان اللازوردي:
- "أنين" .. يا سيدة الأنباء القدرية .. سألتقيك ثانية وسأشكرك بالطريقة التي تليق.

رأيتها ترفع يدها في صمت قبل أن أنطلق دون أن أعبأ لنظرات التساؤل أو الاستنكار من الضيوف حولي.

لن تفلت هذه المرة .. وإن رميت نفس من أعلى برج بهذا القصر.
نعم هذا الممر أنه هو.
دخلته راكضاً وأنا أرمق نهايته وتلك السطور ترن في عقلي كألف مطرقة تشبه مطرقة ابن "أودين" شخصياً.

حَملتُ بكفِّ هذا الدهرِ أحلاماً معطرةً
وطيفُ الشوقِ بالكلماتِ يسألنا أمانينا

كأنَّ الأرضَ ما دارتْ ..
ولا رَحُبتْ ..
ولا رَحِمتْ ..
كأنَّ الأرض بالأحجارِ، تُطعمنا وتَسقينا

أماني الخَلقِ ( أمنيةً )، كليلِ الصمتِ يسترنا
فلا تُجدي ( أمانينا ) ..!!

وهذا الصدرُ يسألني :
- متى يا حبّ تَروينَا ؟

لماذا تُتركُ الأيامُ بالأحزانِ تَسقِينَا ؟
كأنّ الصبحَ لا يَأتي
وهذا الليلُ يَخنقنا،
وبالأشواكِ يُدمينا

لماذا تُزرعُ الأزهارُ في حقلٍ بهِ وجعي ؟
أمَا قد آنَ للأزهارِ أن تنمو بِوادينا ؟

حَملتُ بكفِّ هذا الدهرِ أحلاماً معطرةً
تُعربِدُ في حنايانا،
وبالأشواقِ تُردينا .


وأخيراً.
وصلت الباب الذي دخلت منه.
هنا
أجل
لقد اقتربت
فتحت الباب وأنا ألهث
الادرينالين أشبع أوردتي وكادت تتفجر

ثم..

يا اله السموات
كيف حصل هذا؟

.
.
.
يُتبع

مسك الخواطر
01-07-2021, 01:30 PM
بترقب كبير يشوقني معرفة
بقية التفاصيل
وكم أعجبتني فكرة
تداخل الأعضاء في النص
وجعلهم من أبطال الرواية
هذا جسر ممتد
لمزيد من التواصل
عبر مساحات مدائن البوح
ما أروع حرفك المدهش المضمخ بالروعة والعذوبة
بورك قلمك الذهبي الجميل أيها الأجمل

محرم على النساء
01-07-2021, 08:50 PM
:eek:



سلام الله
يا كثير الجمال
جئتُ لأقتبس
الضوء من لدنكم
شاهد قبر
لابد أن يكون دوري مهماً
ومحورياً في مدينة الرقص
فأنا أحب أن أكون شخصية مختلفة
تخترق الصفوف وتكون في المقدمة
فيض محبتي والتحايا اليك
الروعة في قلبك الجميل شاهد
والشرف لي بتواجدي هنا
دمت بالخيرات كلها والرضا

سالم الزائدي
01-10-2021, 05:03 AM
طريقة مبتكرة للرقص
تداخلت الأدوار
أشعر أني تهت في المنتصف
فعدتُ القراءة من جديد
بوحك جميل جداً
لديك كل عوامل الجذب
ورقصك موصول بالحب والوفاء
ادامه فاطر الحب في الناس ..
تحياتي لك
>::

أمير الحرف
01-10-2021, 09:18 AM
دعوة مختلفة
والرقص بطرقة شاهد
ممتعة جداً
نشعر وكأن كل المدائن
داخل مسرح الرواية
القدير شاهد
لوجودك في مدائن البوح
ذاك الجمال الذي يجعل من كل اللوحات
فيضا من الألوان الوردية تلون كل الفصول
كل التقدير لك أيها الراقي

جابر محمد مدخلي
01-11-2021, 06:18 AM
:eek:




شاهد قبر

حين نهوى الرقص سنجد أنفسنا أمام أقدام إضافية خلقتها لنا هذه الهواية.
المساحات التي قرأتها على سعتها لكنها مرتبطة بما يجعلها وسيبقيها راسخة في الأذهان، أسماءً بالمدائن، صوراً لأمكنة تزيدنا التصاقاً بما كتبته.
الرقصات تحملنا في كل مقطعٍ إلى فكرة نأوي إليها، وخُطىً نتبعها حتى آخر الرقص.

- لغتك جميلة يا صديقي.


مودتي
جابر

محمد حجر
01-12-2021, 01:27 AM
أهلاً بالشاهد الجميل


صباحك عطر


وحتى يتبلور قانون الرقص بمخيلتي


لك عوده بحجم السماء

مجموعة إنسان
01-12-2021, 04:51 AM
حطت بي رحالي
في قاعة الحب الكبرى
وكم سعد قلبي
حين ولجتُ مدن الجمال
فأجد وعميق صور
وسرد يبهر وأشياء أخر
لذيذ حتى السكرة أنت
متابع جيد لكل الفصول والتفاصيل
flll:

البنفسج
01-18-2021, 03:49 PM
؛

أقرع الأبواب كي أرقى إليك
يغطيني السحاب
فأغلق خلفي كل باب
أسمع ظلي
وأرى صوتك
خلف ستائر الندى
وأتحسس خطوك على تلك الساحة
التي كانت مليئة بالغيم
فتسللت إلى مسامعي
موسيقى مطرك
لم أرى بدرا ولا نجما
لم أجد سوى أغنيتان ونصف نوتة
عليها توقيع :
بأن أغلقي الأبواب وأمضي
حيث باب القلب المشرع
على رقصة أشعلت الأرض
أشواقا وألوانا
وخطفت قلوب العاشقين
وأشعلتها بالمواويل
حيث كان شاهد هناك
في الركن البعيد الهادي
يتابع بصمت المتقنين
ليبدأ بعدها وصلته
التي ينتظرها قلب كل متيم

flll:

شاهد قبر
08-05-2021, 11:46 AM
https://g.top4top.io/p_1828du2m91.gif (https://top4top.io/)

احث الخطى نحو بهو القصر
عازمة على المغادرة على عجل.>

اراقب في توتر عقارب الساعة في يدي وهي تشير للحادية عشر والربع.
اصطدم من العجلة بكتف أحدهم.
اعتذر في ارتباك وانا اسمعه يتمتم في سخط.

أتعرقل بكعب سيدة ما أمامي.
أحاول ألا أسقط وأتحاشى النظر لملامحها الغاضبة.

تلك هي
درجات المغادرة
حسناً
سأقترب أكثر


و..




لعلي واهمة
قطعاً ليس هو

أعيد بصري ناحية الدرجات
لكن الفضول كقط انجليزي متشدق برتابته حملني على إعادة النظر لتلك الملامح

هي ذاتها ملامحه
يا إله السموات

نبضات قلبي بدأت تتعالى
معدلات الأدرينالين ارتفعت فجأة في دمي
وجدتني اقترب من صاحب ذلك الوجه رغماً عني

نسيت الخروج وسبب الخروج
وروحي وعقلي يدفعاني للاقتراب
لا يمكن أن أخطأ ذلك الوجه ولا تلك الملامح
يدي اليسرى ارتجفت بغتة ووجدتني أجبرها على أن تكون دعامةً لجسمي المرتجف وأنا أميل على الجدار القرمزي جواري

يقف مع السيدة التي رأيتها قبل ساعة تأمر الخدم في القاعة

يا الله

يستدير جهتي والسيدة التي إلى جواره يبدو أنها تشاور لواحدة أخرى في نهاية الردهة

استدرت انا الأخرى للجهة المقابلة
عليه ألا يراني
بل يجب ألا يراني

لم تعد يداي وحدهما اللتان ترتعشان
جسمي كله تحول لقالب ثلجي ورحت أنتفض بقوة
شريط الذكريات مزق عقلي
راحت ترتص كمشاهد سينمائية متلاحقة سريعة
ألف ألف شعور داخلني في ذات اللحظة
وتذكرته
كلماته
همساته
خلجاته
أنفاسه
لا يمكن أن تُخطأه عينياي
و روحي

و..

قلبي

لا أدري لماذا وكيف تذكرت موقفاً بعينه ذات يومٍ بارد
رفعت حقيبتي الصغيرة بيد لا تزال ترتجف، وفتحتها وقد أخرجت قصاصة صغيرة مخفية في جيبٍ سري.

كُنت قد فكرت وقررت في نفس الثانية
عقلي الباطن هو من يتولى زمام الأمور الآن
هو من يأمر قبلي وجوانحي في هذه اللحظات

ألمح السيدة التي إلى جواره تعود للخلف خطوتين
تقول شيئاً ثم تستدير لتنصرف عنه
ها هو ذا يمشي ناحيتي
يا إله السموات
سيتعرف عليَّ إن رآني
يجب أن أختبئ أولا

حمد الله
يبدو أنه غارق في التفكير
أراه يتكئ على أحد الأعمدة الركامية
سأتصرف في سرعة
وجدتها
- سيدتي .. سيدتي
ناديت السيدة الأنيقة التي تعبر أمامي
التَفَتَت لي في استغراب فبادرتها هامسة دون مقدمات:
- هل لسيدة مسكينة مثلي أن تطلب منكِ معروفاً أيتها الجميلة؟
ابتسمت في رفق وأومأ برأسها في إيجاب قبل أن أكمل:
- يوجد شخص يتكئ على العمود هناك.

ومشيرةً حيث أعني أكملت:
- أرجو أن تحملي له هذه القصاصة وتعطيها له
وفي سرعة ودون أن اعطيها فرصة للاستفسار
ناولتها القصاصة الصغيرة وأنا أسألها بحروف مرتعشة:
- أريد أن أعرف اسم السيدة التي أدين لها بالفضل

ابتسمت في ترحاب وهي تهتف"
- "أنين" .. اسمي "أنين الصمت"

- شكراً لك يا جميلة .. هو معروف لن أنساه ما حييت.

ثم اختبأت بين الحضور وأنا اراقبها من بعيد تقترب منه وتربت على كتفه
جفِلَا معاً .. ورأيته يأخذ القصاصة في عدم فهم
ثم
.
.
لحظتها
شعرت وكأن الدنيا تلف بي

فجلست على الاريكة الكونرادية المذهبة خلفي وعقلي يسترجع تلك الأيام
وتذكرت فجأة كلمات كتبتها له يوماً
ووجدت سطورها تهاجم عقلي وروحي بغتة



سأرحلُ في الفجرِ مثل اليمامْ
وأهربُ منكَ إليكَ معاً
أحبكَ صدراً تواريتُ فيه
عن الخلقِ يوم انقضاضِ المحنْ
فقد عشتُ يوماً بحلمٍ كبير
وآهٍ من العشقِ يوم الفتنْ
يهونُ مع القربِ قهر الأماني
فما كان في القلبِ عشقٌ سواكَ
وقد عاش في مقلتيكَ الحنينْ
وتاه على شفتيكَ الزمنْ
يقولون عنكَ كلاماً كثيراً
وهل بالكلامِ يموت الشجنْ ؟


تعال أحبكَ قبل المماتِ
فحُبكَ عندي كحبّ الوطنْ









هممت بالنهوض
لكن



مهلاً ...!!



.
.
.
.
.
.
.
.
.
.






وأخيراً.
وصلتُ الباب الذي دَخَلت منه.
هنا
أجل
لقد اقتربت
فتحت الباب وأنا ألهث
الادرينالين أشبع أوردتي وكادت تتفجر

ثم..

يا اله السموات
كيف حصل هذا؟

.
.
يُتبع






كيف لهذا أن يحدث؟!
تبدوا الغرفة أمامي كبيرة!!
لا مجال لمغادرتها قبل أن أدخلها بالتأكيد..
نظرت للبابين الكبيرين على يميني وأمامي قبل أن أرمق الردهة الكبيرة خلف النافذة التي تشغل معظم الحائط على يساري في استغراب.. هي الأخرى يبدو بابها الزجاجي مقفلاً غير موارب..
من غير المعقول أن تختفي فجأة دون حتى أن أسمع صوت انغلاق أحد الأبواب خلفها!.
احترت لهُنيهة وبدى لي الموقف مستعصياً على الفهم.
كيف لا وقد انتشر ضوء القمر الفضي ككشّافٍ عتيق أنار ما استطاع الوصول إليه من ملامح الأثاث أمامي.
ومرغماً على التفكير لبرهة خاطفة، رحت اعتصر المرارة والذكريات وأقلبهما بمغرفة كبيرة داخل أتُون ملتهب من الحيرة والألم.
يااااااه
ما أشبه الليلة بالبارحة
أطارد النشيج والأنين معاً
محتملاً بذات الوقت وطأة الشوق والحنين
لكن لا ..
لن تهرب هذه المرة من جديد ..
رحت في بَلَه أفتش المكان وقد غزت عقلي بعض اللوثة التي جعلتني أعتقد أنها تختبئ داخل أو خلف أثاث الغرفة الكبيرة.
ثم غزت عقلي ذكريات معينة، لقاءٌ ما لم أستطع نسيان تفاصيله ولو للحظة طوال هذه السنين.
تسربت تلك التفاصيل من العقل الباطن وأنا أجدّ في البحث كالمحموم.
وكأني بالقمر وقد تحمس لخيبتي وأزاد في إضاءته الشاحبة ليحاول سبر أغوار الموجودات التي يستعصي عليه استباحة ظلالها، خاصة تلك التي تقبع في ظهر الموجودات التي تواجهه.
.
.
.
.

فذات مساء، تطلّع نحو عينيها برهةً ثم صمت قليلاً، قبل أن يهمس في شوقٍ قائلاً :

- تعالي أحبكِ يوماً ودهرا
أُفَرِّغُ شوقي بصحنِ السنينْ
تعالي لأهواكِ لحناً وعِطرا
وأسكبُ في راحتيكِ الحنينْ

وسَكَتتْ بِدورها طويلاً قبل أن تهز برأسها برفق، وتهتف هي الأخرى وقد أخذت تراقب عينيه في تفحص :

- أتُرى ستسمعُ،
ذلك الحب المغني في القلوب ؟
قد كان ذاك النبض يجتاحُ العروق
وتناثرت أشواقنا،
بين المنابرِ،
فوق آلافِ الدروب
وأتى الجفاءُ مهرولاً،
يجتاحُ أضلاعَ الجُنُوب
من ذاق طعم الحب،
دبّت في مشاعره الكروبْ

قال، وقد اكتسبت نبرة صوتِه مقداراً إضافياً من الدفء :

- قريبانِ نحنُ ومهما ابتعدنا
فوالله في مقلتيكِ اللقاءْ
فلا القربُ دوماً يكونُ اقتراناً
ولا البُعد مِقياس حَجمِ الجَفاءْ
وأعرف أنّ المسافةَ دَينٌ
وأوقنُ أنكِ أوفَى النساءْ

سيطرت على مشاعرها المتدفقة بكثيرٍ من الصعوبة، وقد راحت تفتح شفتيها وتقفلهما بتردد، وكأنها ستقول شيئاً، ثمّ هتفت :

- الشوقُ يلهو فَوق أضلعنا
قد يهمدُ الحرف، ثمّ الشّعر يُحييه
لا زلتُ أوقن أنّ العشق معصيتي
نَاداكَ قلبي،
فَقُل لي كَيفَ أُبقِيه ؟

صمتَ هذه المرة وقتً أطول، قبل أن يمد كفّه الأيمن نحو أناملها الرقيقة ويسحبها برفق لتستقر بين كفّيه الدافئتين وقد شعر بارتجافه خفيفة انتقلت إليه عبر يدها - الأكثر دفئاً - هي الأخرى، أطال النظر إليها وهو بهذه الكيفية، عينيها المشعتين ببريقٍ أخّاذ جعل قلبه يتراقص في جذل، وكأنه سيقفز من قفصه الصدري من فرط الانفعال بغتة، ولكنه حاول السيطرة على تلك المشاعر، قبل أن يهتف بدوره :

- وما الحبُّ إلا مدارس عشقٍ
بعينيكِ ندرسُ علم الكلام
على شفتيكِ، تكسّر قلبي
شظايا ..
شظايا ..
ولم يبق شيءٌ لعهدِ المرايا
سوى وجنتيكِ
وبعض سلامٍ، لأرضِ السلام

لم تحر جواباً هذه المرة لفترة طويلة، وسحبت كفها المرتجفة بسرعة ورفق، من بين أحضان كفيه، قبل أن تعتدل في جلستها وترمي بنظراتها خلف زجاج النافذة أمامها، علّها بذلك تخفف من حدّة توترها، ثمّ تنهدت قبل أن تهمس :

- حتى القلوب، تمرّدت بصدورنا
هتفت شرايين الهوى لهوَانا
كانت رياحُ الشوقِ، تعصُف كلّما
رَقَصت ( أعاصيرُ الغرامِ ) غَرَاما

قال، وقد اتسعت ابتسامته غير عابئ بنظراتها الهاربة نحو الفراغ خلف زجاج النافذة أمامها، وقد تحركت كفه من جديد في سلاسة باحثاً عن أناملها المتوترة :

- مُدّي يديكِ وخففي أشواقي
( ضمّي يَديّ وقبّلي لأراكِ )
عاشت على شَفتيكِ أحلامُ الهوى
شاخَ الغرامُ على ضِفافِ هواكِ
أعادت نظراتها إليه في سرعة، وهتفت دون مقدمات وكأنها تذكرت أمراً مُلحاً :

- البدرُ يجمعُ في السحورِ حِبَالهُ
ليطلّ فجرَ الشمسِ كي يرعاكَ
ما إن يجيءُ الصبحَ حتى يرتوي
نهر الضياءِ على ضِفافِ هواكَ

اتسعت ابتسامته المريحة هذه المرة أكثر فأكثر، وهو يقول، وقد ثبّت نظراته على عينيها الهاربتين :

- ومُسربلاً بالعشقْ
رِحتُ أبحثُ عَن عُيونِكِ،
في عيوني
فمدينة الأيامِ تقتلني
وَيمضِي العُمرُ قَسْرَاً
ليس يشبعُ من شجوني
فوجدتُ ذاكَ الحلمَ فِي لُقياكِ دومَاً
قد كانَ مسجوناً قديماً
بينَ أهدابِ جفوني

هَرَبَتْ من جديد ككل مرة تشعر فيها بالحَرَج من نظراته المتلّهفة، قبل أن تَتَلمس رقبتها العاجية الطويلة، بأناملها المرتجفة، وتهتف، وقد تحاشت النظر في عينيه مباشرة :

- ونسيرُ تحملنا السنينْ
إلى ضفافِ الروح
ومرسمِ الأحلام
ونستريح من العذابِ المُر
على ضلوعِ الحبْ
ومذبحِ الأحزان

اقترب منها أكثر في بطء، حتى أدنى شفتيه من صوان أذنها وهمس برفقٍ، غير عابئ بارتعاشاتها الخفيفة :

- إذا ما سهوتُ أراكِ استفاقهْ
ولو ضاعَ خطوي فأنتِ المسافهْ
وإن ماتَ في الصدرِ حلمٌ جميلٌ
فقد عاشَ في القلب عَهدُ الإفاقهْ

فجأة،

بدا وكأن مقاومتها قد انهارت بغتة، فلقد التفتت إليه في سرعةٍ واقتربت، وإذ بملامح وجهه على بعد سنتمترين فقط من ملامحها الجميلة .
ثمّ أغمضت عينيها لبرهة قصيرة، وهي تستمتع بزفراته الدافئة البطيئة المنفعلة على ملامحها، قبل أن تهمس برفق، وقد فتحت عينيها ببطْء، في ذات اللحظة التي وضعت سبابتها على شفتيه، لتجبره على عدم المتابعة وكأنها تنهي ذلك الحوار الطويل المفعم بالعاطفة بكلماتها القادمة :

الآنَ ..
قد عادَ هذا القلبُ ينبِضُ بالحياهْ
الآنَ ..
قد رحلَ العتابُ عن الشِّفَاهْ
وغدوتُ مثلَ الخلقِ أنتظر الضياءْ
فأتيتَ كالحّنِ الذي مرّت خُطاهْ
عيناكَ بحرٌ من جُنونٍ، ليس يُدرك مُنتهاهْ
عيناكِ موجٌ حالمٌ
إِن ثُرتُ في غضبٍ،
تُحاصِرني يَداهْ
عيناكَ إجلالٌ وتعظيمٌ والتفاتٌ بانتباهْ
أو زورقٌ فضيٌ،
يُبحر في تَلابيبِ الحياهْ
الآنَ ..
قد عادَ هذا القلبْ ؛
ينثرُ في المساءِ هَواهْ



ثمّ صمتَ، وصمتَتْ
وَ تعانقت نظراتهما ...... للأبد ..

.
.
.
.

ومع حرف الدال الأخير.. كُنت حرفياً قد انتهيت من تفتيش المكان.
لم اترك ركناً ولا فجوة إلا بحث فيها..
حتى أنني أوقعت مزهرية فاخرة فكسرتها دون عمد.
وأدعو من كل قلبي أن تكون تقليداً لمزهرية Pinner Qing Dynasty لأنها تشبهها جداً، ولأنني سأدفع مبلغاً كبيراً بسبب عجلتي واهمالي.
لكن هذا لا يهم.
لا يهم بالمرة.
عليّ العثور عليها الآن مهم كان الثمن.

قبضة باردة تعتصر قلبي.
في سرعت بدأت أنقل بصري بين البابين والشرفة فعليّ الاختيار.
وهذا الاختيار حساس جداً، قد أفقدها للأبد لو بحثت وراء الباب الخطأ.
ولوهلة شردت قليلاً قبل أن أجمع شتات نفسي وأندفع للباب على يميني.
( سموه حدساً أو تنجيماً أو حتى بلاهة )
لكن الأمر لا يقبل التفكير المطول أو الإستذكاء.
ثم..
لا شيء ..
حرفياً لا شيء سوى رواق طويل تنيره شمعدانات ذهبية متوزعة على حوامل مزخرفة هنا وهناك.
بعض لوحات فنية تزين جانبي الرواق تعرفت على واحدة منها كانت للفنان الإيطالي المشهور"سانزو".."رفائيلو سانزو" أحد رواد الفن في عصر النهضة الأيطالي.
وتزين سقفه بثريا تشبه تلك المنتشرة في القرن التاسع عشر المتدلة من سقف متزين بالرسومات أيضاً.

https://mrkzgulfup.com/uploads/16281524130011.jpg (https://mrkzgulfup.com/)


ماذا ألمّ بي؟؟!.
ليس هذا وقتاً لاستعراض المعلومات التاريخية لابد أن ...
وبترت فجأة العبارة كان عقلي الباطن يهم بقولها.
لوهلة سمعت جلبة خفيفة على يساري..
هناك باب صغير .. أجل أنا أراه الآن بوضوح بين عمودين رخامين لتمثالين أحدهما كان لـ " فينوس " والآخر لـ " أفروديت ".
وحزمت أمري في ثانية واحدة فقط.
وعندما هممت بمسك أُكرة الباب ..
سمعت فجأة هتافاً من خلفي:
- "شاهد"..
والتفت لمصدر الصوت في سرعة..
ثم..

سفير المعرفة
08-05-2021, 12:47 PM
يا لي هذه الدعوة الفاخرة
التي تنم عن مكانة الأدب
الأخ شاهد قبر
نعم هنا نجد المعنى الحقيقي للأدب
دمت للمدائن ودام عطاؤك

شاهدة قبر
08-05-2021, 02:19 PM
هزيمة

النقاء
08-05-2021, 03:59 PM
وين كنت هههه ياشاهد هذا قبل تسجيلي بالمدائن


وحضيت بشوفتك وحروفك وأدبك وهمسك هنااااا


يا قمة الجمال والرقي والأدب

لنا حق التصفيق بكل إعجاب لشاهد هنااااا


سعدت بالقراءة لحروفك


طبت وطاب الجمال لحضرتك



تقييم لسموك وهمسة


أنت كبير الأبجدية هناااا

الغيث
08-05-2021, 04:40 PM
شاهد قبر
دخلت هنا وذهلت
ولم أستطع أن أحدد موقعي من هذا الجمال
أأتفيأه .. أأغنيه .. أأكتب فيه شعرا ..
أم أكتفي بكتابة كلمات لا تسمن ولا تغني من جوع
والله لا هذا ولا ذلك
بل سأصمت وأستمتع مخافة أن أخدش هذا البهاء الشاهق
فالصمت في حرم الجمالِ جمالُ
ودي وتقديري
flll:flll:flll:

شاهدة قبر
08-05-2021, 05:21 PM
حقا هي 1.4.3 يا شاهد
ولو لأجَل !!

واجدة السواس
08-05-2021, 09:37 PM
سرد قصصي ودعوة ملحمية
وعينان لاتغفو من ظلام الحيرة
ودروب ممتده الى شاطئ الشمس
والى المطر والسحر الاسر هنا
واصابت ناظري الدهشة
من جنون الخيال
كل نزف منديل يلف خاصرة الروح
يحنو قبل ان يسهو الزنابق
عن وجه الغيم
سافرت مع سردك الفخم الى
ان وصلت لدعوة الرقص الى
نقطة ارحت الوجد من همس
النغم المتعالي وابحرت في
ديجور كياني
ووقدته واستنبط من اثلام البوح
المطردة والعلامات الفارهة من زوايا
ودلالات المعاني الرمزية التي غسلت
جرم الخيال قبلني حين تراني
حقا استوقفني هذا النص ومداه كنجوم ومجرات خوف انتظار ولحظات شوق والحيرة والذكريات عبر الاثير
المتعانق مع زفرة الروح

ذكرياتي التي تنزوي في قلبي
تراقص حلما صامتا
يختزن سفرا في ذاكرتي
اعاتب دروبا ضاقت
والملح كسا جدراني
على نقطة انفلات
شعور عارم يسكن صدري
من عطش الصحراء
امتد بها مجاعات فقدي القديم
الذي غزا محراب نفسي
لعلي انج من ثورة الوجد
واجند نبضي من رزية الموت
واجدة السواس
الاستاذ الرائع شاهد قبر
سرد يستحق المتابعة
ممزوج وتوضيفه لبراعة سردك
واتقان نثرك متفنن بالصيغة والصور كسفينة باشرعة الفكر الذي يمشي في بحر الجمال لتصطاد الرؤية
والبهاء والتألق شكرا كثيرا لهذا العطاء المبهر
وشكرا
لقلمك الفذ
ومني لك عاطر التحايا
اكون قدوفقت في تعقيبي
وعذرا اذا قصرت 🌹🌹

جاي في السريع
08-07-2021, 04:34 AM
دعوة رائعة للرقص
وأنا أحب الرقص
على خيال الصور الناضجة
ويبدو أننا هُنا سنطمئن كثيراً
فهنا وجدت إثراء متواصل للذائقة
شكرا لك ولا حرمنا الله من اطلالتك الجميلة

هادي علي مدخلي
10-22-2021, 06:53 PM
دعوة فاخرة للرقص
تحتاج تأمل وتحتاج أكثر من قراءة
رسائل أدبية في الحرف يهدينا
إلى الجلوس القرفصاء وإعادة القراءة

شاهد قبر
11-04-2021, 12:32 PM
شاهد قبر
مواسم الجمال اينعت
وتفرعت في مقلتي المحال
اراك تختال على ابواب البوح
تمتلك سحر المدائن
وانا هنا انحني لاستقبالك
مرحبا قدومك ايها المدرار
متابع لهكذا جمال
محبتي


التفاتتي كانت عصبية جداً..
بدا ذلك جلياً وواضحاً على ردة فعل صاحب النداء.
إذ أنه جفل قليلاً ثم هتف:
- رويدك .. رويدك يا رجل .. ما بك؟
انتبهت حينها لسوء أدبي ودفعت بكفي في سرعة ناحيته وأنا أهذب وأرتب باليسرى ما تطاير من شعر الناصية ولأهتف أنا الآخر في عجل:
- تقبل اعتذاري أيها السيد النبيل.
وبلعت بعض اللعاب مكملاً:
- فليلتي تبدوا عصيبة.
التقف السيد الأنيق كفي الأيمن في ترحاب قبل أن يرسم ابتسامة فاخرة نافست بصدق فخامة بدلته التي بدت أنها من ماركة بيليني المشهورة بتصميمها الأنيق، وقد زين ربطة عنقه الرصاصية ذات الخط العمودي الأسود بماسة كبيرة.

https://c.top4top.io/p_21342iz3j1.jpg (https://top4top.io/)


أنهى مصافحتي في سرعة قبل أن يعدّل من وقفته ويدفن أصابع كفّه الأيسر داخل جيب بنطاله في وقفة واثقة وهو يقول في نبرة هادئة وكأنه يحاول كبح جماح توتري الواضح على ما يبدوا:
- لا عليك يا صديقي .. فقد سمعت السيدة "البنفسج" تهتف باسمك في البهو الرئيسي، كُنت قريباً منكما وسمعت دون قصد جزءاً من الحوار.
حاولت أن أرد بابتسامة مماثلة وعيني تلمح أُكْرَة الباب هاتفاً في توتر لم أستطع إخفائه:
- السيدة الجميلة .. نعم تذكرت .. تلك التي استقبلتني أولاً عند حضوري وانصرفت مسرعة لإنهاء بعض الأمور العالقة كما قالت.
ويبدوا أنه انتبه لكوني أرمق أُكْرَة الباب كل ثانيتين تقريباً فقال وهو يضحك ضحكة خفيفة:
- إن كنت تحتاج لأن تلبي نداء الطبيعة .. فليس هذا هو الباب المنشود يا صديقي.
ضحكت هذه أنا الآخر وهتفت بدوري وأن أرفع كفي الأيمن لأحك خلفية رأسي:
- كلا .. كلا .. أيها السيد .. أنا أبحث عن أحدهم فقط وأظن أنه خلف هذا الباب .. وأتعشم ذلك في الحقيقة.
زاد من توسيع ابتسامته وهو يهتف:
- اسمي "فهمي السيد" .. بالمناسبة.
هممت بأن أهتف باسمه في عبارة مرحبة سريعة قبل الاعتذار منه ومتابعة البحث على غرار:
( أهلاً صديقي فهمي .. وأرجو أن تتفهم حاجتي للانصراف حالاً )
أو
( سعيد بمعرفتك يا فهمي .. وسنتفاهم لاحقاً .. وأرحب بك بما يليق .. بعد اذنك )
أو


شاهد قبر
نركض إلى هذا المتصفح
وأبواب دهشتنا مُشرعٌة على مصراعيها
هنا مما وجدت من حيرةٍ مطرزة بالجنون فكان نتاجها
تساؤلات نُسجت بخيوط الروعة
إلى أين سوف يأخذنا شاهد قبر
ومازلنا نحاول أن نفك رموز شاهد قبر
حتى أطلت علينا شريكة الرقص
شاهدة قبر ومناداتها العذبة الشجية
استطعت يا صديقي ببراعة
أن تُفجر عيون المشاعر الرقيقة التي استوقفتني
كلنا ننتظر في شغف
فنحنُ في مدائن البوح
حيثٌ سقف الابداع لا حدود له


- أوووووووه "فهمي".. و"شاهد" .. تمااام التمااااااام.
فاجأني الهتاف السابق والتفت لمصدره وكان خلفي فالتفت في سرعة وياللمفاجأة .. إنه "هادي" ..
قلت في سِرّي وأنا أخرج أسناني المصكوكة من كثر الابتسامة العريضة المرحبة:
- كملت والله .. وش يفكني من "هادي" ذحين.
وسريعاً وزنت ميزان اللغة العربية في عقلي وهتفت مرحباً رافعا ذراعيّ لاستقباله:
- "هادي" يا "هادي" أخيراً ملامح أعرفها تقابلني هذه الليلة.
احتضنني في ترحيب من لم يرى حبيبته منذ عشرات السنين.. وراح يوزع السلام الشرقي على خدّاي بطريقته العفوية وهو يقول وسط ضحكته الودود:
- أخيراً وجدتك يا صديقي .. فقد عرفت من "أنين الليل" أنك جئت لهذه الطابق راكضاً.
عاجلته بعبارتي السريعة:
- هرباً من عطرك الذي يزكم أنفي الآن يا "هادي".
ارتفعت ضحكته أكثر:
- لا لا لا .. هذه المرة أنت تبالغ يا "شاهد".
ابتسمت وهممت بالتعقيب لكنه تابع بحماس:
- She Came to Stay Eau de Parfum by Timothy Han .. لا تستطيع أن تعيبه هذه المرة يا صاحبي.
( ملاحظة : من يعرف علاقتي الشخصية بـ "هادي" .. يفهم جيداً أن المزح هو سلام الصداقة الابتدائي عند كل لقاء )
ربت على كتفه وهتفت :
- تقصد أنه قد حسّن من اختياراتك للعطور هذه المرة:
قهقه في صوت عالي:
- ربما.
لكزته على ظاهر كتفه وأنا أسأله ضاحكاً:
- لعلك تُسمعني والسيد الواقف لجواري شرحاً مناسباً لما غزى خياشيمنا الحساسة قبل قليل، خصوصاً أن اسمه لوحده حكاية (She Came to Stay) .. من التي جاءت لتبقى؟
ارتفعت الضحكات أكثر هذه المرة و"فهمي" يهتف وسطها:
- "هادي" .. يا "شاهد" مشهود له بالحرف الفوّاح، والتعامل الشَذِي.
التفت ناحية "فهمي" وانا اهتف:
- لكنّ حرفه الفّواح، وتعامله الشَذِي بدا لي هذه الأيام في تناقص واضح .. لقد أكثر من عبارة ( لي عودة تليق ).
ضحكنا ثلاثتنا قبل أن يلكزني "هادي" أنا الآخر بطرف إصبعه وهو يقول:
- كيف بك لو عرفت خلفية هذا العطر أصلاً.
هتف "فهمي" وهو يشير بيده اليمنى:
- أتحفنا يا "هادي" فأنا أرغب في أن أزيد في حصيلة معلوماتي الروائحية والعطرية .. ولعل "شاهد" يقتنع أنه صفر معلومات في هذا الجانب.
ابتسمت وكأنني انسلخت للحظات عن جو التوتر الذي كنت أعيشه قبل لقائي ب"فهمي" و"هادي.
والأخير راح ينفخ أوداجه وكأنه سيلقي محاضرة ما .. وهو يقول وقد اتسعت ابتسامته أكثر:
- فاتك أيها المتحذلق أنه عطر ناضج وهو تمثيل حاسم للرواية الوجودية للفيلسوف سيمون دي بوفوار She Came to Stay
وقد مهدت النفحات الخشبية من اللابدانوم والبتشول وطحلب السنديان المسرح، ثم تنتقل هذه الكثافة الداكنة والعميقة برشاقة إلى مزاج أفتح وأكثر إثارة مع مكونات خشب الأرز ونجيل الهند، ثم تأتي الخاتمة على شكل ريحان وليمون رائع، ليمنحك عطراً لا ينسى مليئاً بالشخصية ومثالياً للارتداء خلال ساعات الشفق وما بعدها.
ثم أنهى كلامه بحركة مسرحية جعلتنا نزيد في الضحك أكثر. قبل أن أربت على كتفه من جديد:
- تعرف أنني أمازحك يا صديقي .. اختياراتك دائماً مُلفته .. ولكنك هذه المرة أبدعت فكل عطر من Timothy Han Editions مستوحى من عمل أدبي شهير.

و...
كمن لدغته حية..
تغيرت فجأة ملامحي وقد انتبهت أنني بهذه قد أضعت وقتاً ثميناً.
وهتفت قاطعاً جو الصحبة بحركة عصبية والتفاتة ناحية الباب:
- صديقاي .. أنا على عجل .. فهناك فتاة ما عليّ أن أجدها في أسرع وقت ممكن.
بدت علامات التعجب على ملامح الواقفين إلى جواري وهمّا بقول شيء ما لكنني لم أنتظر أن أسمع تعقيبها واندفعت ناحية الباب ومسكت أُكْرَته فعلاً وهممت بفتحه قبل أن تصدم صوان أذني عبارة "فهمي":
- لعلك لا تبحث عن فتاة مسرعة تلبس فستان سهرة أزرق مميز .. اللازوردي على وجه الدقة.

تماماً لو تتخيلون معي.
شعرت وكأنّ مطرقة ثور (إله الرعد في الميثولوجيا الإسكندنافية وأحد آلة الآسر في الثقافة النوردية القديمة ) قد سقطة على رأسي بغتة.
التفت ناحيته متحدياً كل قوانين السرعة والجاذبية وكأنني Flash آخر أو البرق ( أحد شخصياتdc comics الشهيرة ).
وهو الآخر كان عليماً باقتدار بمعنى كل تلك الملامح التي ارتسمت على وجهي .. إذ أنه رفع في صمت سبابته وأشار للردهة القريبة دون أن ينطق ببنت شفة.

لا شيء أكثر .. لا كلام أزيد .. فقط خطواتي التي تحولت للركض بغتة ناحية باب الردهة أمامي.
وسؤال واحد فقط يشغل بالي.
كيف؟
فقط
كيف؟

سُقيا
11-04-2021, 05:39 PM
،


تهتز حقيقة الوجع و حينما أدركت ان الشفقة لا تذرف الا من بنات عينكَ
رحلت وانا ألوّح بيدِ الأمل العائدة لأدراج الخيبة ، علّها تجد بِشُروقي ملاذاً أجمل
تقتصُّ من هذا القهر أهزوجة غُرور و تُصِر لأن ترسم نهاية تليق بأبجديتك وانت
فضحتُ سريرة الآه .

آميرة آميري
11-07-2021, 01:25 AM
انااشهد انك وصفت وصف دقيق
الله يعطيك العافيه
وصح الله لسانك وسلمت يدينك
ربي يسعدك
ماننحرم منك ومن ابداعك

غصن
11-07-2021, 05:00 PM
يكاد يخطفني إليك تأملي
وتنحني دونك الأشواق والأملُ
كذا حروفي تصوغ الوجد أغنيةً
ونبضها حين يسري ترقص الجُملُ

النقاء
11-10-2021, 10:06 PM
ياسلام ياعذب الكلمة

أنت ياشاهد قبر بحر من الأبجدية ليس لها نهاية


أكمل فوالله متعة النظر هنا تبحر بنا الي عالم البوح